ترتسم ملامح العلاقة بين الأم وابنتها في سنوات الطفولة الأولى، حين تكون المشاعر في أصفى صورها، وحين تتشكّل الصورة الأولى للأمان والانتماء.
تلك اللحظات البسيطة التي تمرّ مروراً عادياً في يوم مزدحم "لمسة شعر، ابتسامة قبل النوم، كلمة طمأنة" تحفظها ذاكرة الطفلة كما لو كانت أساساً تنمو فوقه رؤيتها لنفسها والعالم. ومع الوقت، تكبر هذه الذكريات لتتحوّل إلى مرآة داخلية تستند إليها الفتاة في علاقاتها، وفي طريقتها في التعامل مع التحديات، وحتى في إحساسها بقيمتها الذاتية.
هذا الامتداد العاطفي الذي يبدأ مبكراً، غالباً ما يرافق المرأة طوال حياتها، يوجّه خياراتها، ويُشكّل حسّها الداخلي بالأمان، ويعيد في لحظات كثيرة صوت أمها في الخلفية: مطمئناً، أو ناهراً، أو محباً. لذلك، يصبح فهم جذور هذه العلاقة خطوة أساسية لبناء ذاكرة صحية ودافئة تشعر الفتاة أنها تنتمي إليها.

منذ السنوات الأولى، تنشأ لدى الطفلة ذاكرة حسّية مرتبطة بطريقة الأم في الاحتواء. نبرة الصوت عند التهدئة، وطريقة حملها، وأسلوب استجابتها للبكاء، كل ذلك يشكّل الصورة الأولى لمعنى الأمان. وحين تتّسق ردود الفعل، تشعر الطفلة أن العالم مكان يمكن الوثوق به، وأن وجود الأم قاعدة ثابتة تُبنى عليها أولى الروابط الإنسانية.
لا تتذكّر الفتيات غالباً الأحداث الكبيرة بقدر ما يحفظن التفاصيل اليومية: تجهيز الشعر قبل المدرسة، وضحكة مشتركة على شيء بسيط، وطريقة تقديم الطعام المفضّل. هذه التفاصيل، على بساطتها، تتحوّل إلى مخزن عاطفي تلجأ إليه الفتاة كلما احتاجت شعوراً بالدعم أو الحنين. إنها لحظات لا تُصنع عمداً، بل تظهر من حضور الأم الحقيقي في حياة ابنتها.
تتعلم الفتاة تقييم نفسها من خلال الطريقة التي تتعامل بها الأم معها. النظرة المشجّعة، والثقة بقدراتها، والمرونة أمام أخطائها؛ وحديثها عن جسدها، وضغطها اليومي، ورؤيتها للدور الأمومي، " تنتقل للفتاة بشكل غير مباشر، لتصبح جزءاً من صورتها الذاتية لاحقاً.
لا توجد علاقة كاملة، ولا تحتاج العلاقة بين الأم وابنتها إلى الكمال لتكون صحية. الأخطاء واردة، لكن الأثر الحقيقي يتكوّن في لحظات الإصلاح. حين تبادر الأم إلى الاعتذار عند الغضب أو التوتر، تتعلّم الطفلة أن العلاقات تُصلّح، وأن المحبة ليست مشروطة، وأن الخطأ لا يُفقدها قيمتها. هذه الرسالة ببساطتها تبقى جزءاً من جذورها العاطفية.
تصنع بعض الأمهات طقوساً صغيرة تبقى في الذاكرة: قراءة قبل النوم، ونزهة أسبوعية، وإعداد وصفة معيّنة معاً. هذه الطقوس تمنح العلاقة نكهتها الخاصة، وتمنح الفتاة مساحة آمنة تشعر فيها بالانتماء، وتبقى لاحقاً جزءاً من ملامح حياتها حتى بعد البلوغ.
لا تحتاج الأم لأساليب معقدة كي تترك أثراً في حياة ابنتها؛ يكفي أن تكون حاضرة، وصادقة، وقريبة بالمقدار الذي يسمح للفتاة بأن تبني ذكرياتها الأولى على أرض ثابتة.