في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، تتزايد التحذيرات العلمية والطبية بشأن تأثير الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والجسدية.
وبينما ينظر كثيرون إلى هذه المنصات بوصفها وسيلة للتواصل والترفيه، يرى خبراء الصحة أن الإفراط في استخدامها قد يحمل مخاطر تستدعي مزيدًا من الانتباه من الأسر وصناع القرار.

أعادت دراسة حديثة أجرتها أكاديمية الكليات الطبية الملكية في المملكة المتحدة وإيرلندا تسليط الضوء على هذه القضية. ووفقًا لما نقلته وكالة رويترز، فقد حذرت الأكاديمية، التي تمثل 23 كلية وجامعة طبية، من أن الاستخدام المفرط للشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي بات مرتبطًا بمجموعة من الأضرار النفسية والجسدية لدى الأطفال والمراهقين.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الأضرار قد تشمل التعرض لصدمات نفسية ناتجة عن مشاهدة محتوى عنيف أو غير مناسب، إضافة إلى سلوكيات خطرة قد تؤثر في الصحة والسلامة العامة للأطفال.
بحسب نتائج الاستطلاع الذي استندت إليه الدراسة، أفاد أكثر من نصف الأطباء المشاركين بأنهم يرصدون أسبوعيًا حالات مرتبطة بأضرار صحية ناجمة عن استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتعكس هذه النتائج حجم القلق المتزايد داخل الأوساط الطبية، خاصة مع ارتفاع معدلات استخدام الأطفال للهواتف الذكية في أعمار أصغر من السابق، وقضاء ساعات طويلة يوميًا أمام الشاشات.
عندما يُطرح الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي، يتجه التركيز غالبًا نحو القلق والاكتئاب واضطرابات المزاج. لكن الخبراء يشيرون إلى أن التأثيرات قد تمتد إلى جوانب أخرى، منها:
التعرض المستمر للشاشات، خصوصًا قبل النوم، قد يؤثر في جودة النوم وعدد ساعاته، ما ينعكس على التركيز والتعلم والسلوك اليومي.
كلما زاد الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، تراجعت فرصه في ممارسة الأنشطة الحركية واللعب الحر، وهما عنصران أساسيان للنمو الصحي.
قد يجد الأطفال أنفسهم أمام مشاهد أو أفكار تفوق قدرتهم على الاستيعاب أو التعامل النفسي معها، خاصة في غياب الإشراف الأسري.
مع التقدم في العمر، قد تؤدي متابعة حياة الآخرين بصورة مستمرة إلى شعور بعض الأطفال والمراهقين بعدم الرضا عن أنفسهم أو مقارنة واقعهم بما يشاهدونه عبر المنصات الرقمية.
يرى مختصون أن المنع التام ليس دائمًا الحل الأكثر فاعلية، خصوصًا في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من الدراسة والتواصل والحياة اليومية. بدلاً من ذلك، تبرز أهمية الاستخدام المتوازن والمناسب للعمر.
ويشمل ذلك وضع قواعد واضحة لمدة استخدام الأجهزة، وتشجيع الأنشطة البدنية والاجتماعية الواقعية، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له الطفل، إضافة إلى بناء حوار مفتوح يسمح له بالتحدث عن أي تجربة أو محتوى يزعجه.
لا تبدأ الحماية من خلال التطبيقات أو أدوات الرقابة فقط، بل من خلال العلاقة التي يبنيها الأهل مع أبنائهم. فالطفل الذي يشعر بالأمان والدعم يكون أكثر استعدادًا لإخبار والديه بما يواجهه على الإنترنت، سواء كان تنمرًا إلكترونيًا أو محتوى مزعجًا أو ضغوطًا اجتماعية.
كما أن تقديم القدوة الجيدة في استخدام الأجهزة والشاشات يظل من أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل عادات الأطفال الرقمية.
التكنولوجيا ليست عدوًا للأطفال، لكنها أداة تحتاج إلى استخدام واعٍ. ومع تزايد التحذيرات الطبية، يصبح من الضروري النظر إلى الوقت الذي يقضيه الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره قضية تتعلق بصحتهم النفسية والجسدية، لا مجرد وسيلة للترفيه.