جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا

في "ورود يوم القيامة" حسين جلعاد يحرس بالشّعر نوافذ غزة

نُشر: آخر تحديث:

ينهض الديوان الشعري الجديد "ورود يوم القيامة" للشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد، من قلب المأساة الفلسطينية، ويكتب غزة لا بوصفها حدثًا عابرًا أو خبرًا يوميًا، بل باعتبارها جرحًا مفتوحًا في اللغة والذاكرة والوجدان. يأتي الديوان في لحظة تاريخية مشحونة، تبدأ من 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حيث وقف التاريخ على حافة النفق، وتحوّل يوم الغزّي إلى مساحة تتقاطع فيها الحياة مع الفناء، والحنين مع الخراب، والإنسان مع محنته الوجودية.

"ورود يوم القيامة".. حيث طفل يضحك عند باب السماء

ديوان حسين جلعاد

يعلن الشاعر حسين جلعاد في ديوان "ورود يوم القيامة"، الصادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، منذ الإهداء الأول، وجهته العاطفية والرمزية، إذ يتجه مباشرة إلى غزة وأهلها، واضعًا القارئ في مناخ شعري مكثف، تتجاور فيه صور الفقد مع عناد البقاء. لا يكتب جلعاد ديوان حرب بالمعنى الخطابي، بل يكتب اليومي المحترق، حيث طفل يضحك عند باب السماء، وجدّ يمشي تحت ظلال الوقت، وأمّ تحمل في أكياس سوداء ما تبقى من صلاتها وأشلاء أطفالها. في هذا الفضاء، تصبح القصيدة محاولة لحماية المعنى الإنساني من التبدد، ولإعطاء المأساة صوتًا داخليًا يلتقط ما يبقى من الإنسان حين تحاصره النار والغياب.

واحد.. اثنان.. ثلاثة

كنت أتعلم العَدّ...

أخي وزوجته الشابة يحضران الأمتعة سريعًا

ليلحقا بمواعيد المعبر

ابنة الجيران تلمّ جديلتها

قبل الوقوف للصلاة.

وجدي يعقد يديه خلف ظهره 

ويمشي تحت ظلال الوقت.

أبي أعرفه من وقع الأقدام

دائمًا يعود متأخرًا بعد المغيب....

خسرنا الأمتعة

       والجديلة 

       وظلال الوقت

       وخطوات أبي.

"كل ذلك سنجده في الجنة"
قالت أمي
ونحن نعبر جسر الأبد.

حسين جلعاد في "ورود يوم القيامة".. مواجهة الفناء

يمتاز ديوان "ورود يوم القيامة"، بوفائه للتفاصيل الحميمة التي تقف في مواجهة الفناء الجماعي: مسبحة الجدة، وشال الأم على سرير الزواج القديم، وخارطة حيفا المرسومة بأصابع الأخ الصغير، والأحذية التي سقطت تحت ركام المنازل. 

هذه التفاصيل، التي يلتقطها الشاعر كما يلتقط مصور سينمائي اللمعات الخاطفة، تجعل الديوان يقف في المسافة الحساسة بين الرثاء والتأريخ، من دون أن يقع في فخ المباشرة أو التوثيق الجاف. فالشاعر لا يكتفي برصد الدمار المادي، بل ينفذ إلى العمق النفسي للمأساة، مستعيدًا شخصيات عائلية ووجوهًا يومية، يكتبها بحنان موجوع وغضب خافت.

ومع التقدم في الديوان، يظهر صوت آخر موازٍ، هو صوت المحب الذي يكتب رسائله لمن لن يعود، ويعترف لربه أنه لم يعد قادرًا على الصلاة لأن قلبه لا ينبض. ثم تتسع الدائرة لتشمل العالم المتفرج الذي "يحتسي الشاي الإنجليزي بينما تتقلب حرباه الأولى والثانية"، وصولًا إلى مشهد قيامي تتجاور فيه الملائكة مع القتيل والقاتل في شارع واحد، في صورة شعرية مكثفة تعيد طرح سؤال العدالة والنجاة والعبور.

يختار حسين جلعاد في ديوان "ورود يوم القيامة" بنية شعرية خاصة، إذ لا تحمل القصائد عناوين تقليدية، بل تصبح الكلمة الأولى المكتوبة بخط عريض هي العتبة والعنوان في آن واحد. هذا الخيار البنائي يعكس رؤية متكاملة، تجعل الديوان نصًا واحدًا متصلًا، لا مجموعة قصائد منفصلة. فالفواصل بين النصوص ليست قطيعة، بل هي أشبه بتنفس قصير قبل أن يستأنف النص نبضه. وهكذا ينسجم البناء مع الجملة الافتتاحية للديوان: "القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي".

ويعد حسين جلعاد واحدًا من الأصوات الأدبية والصحفية العربية المعروفة، وقد صدر له في الشعر والسرد والنقد أعمالًا عديدة، إلى جانب مؤلفات فكرية وسياسية. كما اختير عام 2006 سفيرًا للشعر الأردني لدى حركة شعراء العالم، وفي عام 2009 ضمن أفضل 39 كاتبًا عربيًا شابًا في جائزة "بيروت 39".

بهذا الديوان، يواصل حسين جلعاد انحيازه إلى الشعر بوصفه بيتًا أخيرًا لمن فقدوا بيوتهم، ولغةً قادرة على حمل ما لا تستطيع الأخبار حمله، ونافذة تحرس غزة من النسيان، وتعيد للإنسان صوته في زمن تتكاثر فيه العتمة. 

أخبار ذات صلة

حسين جلعاد وكتابه شرفة آدم

"شرفة آدم" لـ حسين جلعاد.. تأملات في الوجود والأدب

logoأحدث اتجاهات الفن والأزياء والجمال على منصة واحدة
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا