تمرّ سنوات الأمومة الأولى وكأنها فصل كامل يُكتب باسم الطفل.
تتبدّل الأولويات، وتتراجع المساحة الشخصية تدريجياً، حتى تجد كثير من الأمهات أنفسهنّ في نقطة يسألن فيها: أين أنا وسط كل هذا؟
هذا السؤال لا يعني فقداناً، بقدر ما هو بداية وعي بمرحلة جديدة.

الأمومة لا تُلغيك، لكنها تعيد تشكيلك. ما كنتِ تحبينه، طريقتك في التفكير، وحتى إيقاع يومك، كلها تتأثر. ومع مرور الوقت، قد يبدو من الصعب استعادة تلك النسخة السابقة منكِ، لأنكِ ببساطة لم تعودي الشخص ذاته، بل نسخة أعمق وأكثر وعياً.
كثير من الأمهات يشعرن بالذنب عند التفكير في أنفسهن، وكأن العودة للذات تعني التقصير في دور الأم. لكن الحقيقة أن الاهتمام بنفسك ليس رفاهية، بل ضرورة تعيد لكِ التوازن، وتنعكس إيجاباً على علاقتك بطفلك.
لا تحتاج العودة إلى نفسك قرارات كبيرة. تبدأ من تفاصيل صغيرة: وقت هادئ لنفسك، نشاط تحبينه، أو حتى استعادة عادة قديمة كنتِ تستمتعين بها. هذه اللحظات تعيد ربطك بهويتك خارج دور الأم.
بدلاً من محاولة العودة إلى ما كنتِ عليه، قد يكون من الأجدى التعرف على نفسك كما أصبحتِ الآن. ما الذي تغيّر؟ ما الذي نضج؟ وما الذي ما زلتِ ترغبين في الاحتفاظ به؟ هذه الأسئلة تفتح باباً لهوية أكثر توازناً.
الأمومة لا تعني الذوبان الكامل، بل إيجاد مساحة تجمع بين العطاء والحفاظ على نفسك. عندما تجدين هذا التوازن، تصبحين أكثر حضوراً، لا أقل.
في النهاية، العودة إلى نفسك ليست خطوة للخلف، بل امتداد طبيعي لرحلة نضجك. أنتِ لا تستعيدين ذاتك القديمة، بل تكتشفين ذاتاً جديدة، قادرة على العطاء دون أن تفقد نفسها في الطريق.