لا يولد الطفل وهو يعرف كيف يهدأ، أو يعبّر عمّا يشعر به بطريقة متوازنة.
هذه المهارات لا تُدرّس بالكلمات فقط، بل تُكتسب من خلال التجربة اليومية، وتحديدًا من طريقة تفاعل الأم أو الأب مع مشاعره.
في كل مرة يغضب فيها، أو يبكي، أو ينفعل، لا يتعلّم فقط كيف يتصرف؛ بل يتعلّم كيف يفهم نفسه.

حين ينفعل الطفل، أول ما يلتقطه ليس الكلمات، بل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وطريقة الاقتراب منه. إذا قوبل انفعاله بهدوء، يبدأ تدريجيًا بربط المشاعر بالاحتواء، لا بالخوف. أما إذا قوبل بالصراخ أو التهديد، فقد يتعلّم كبت مشاعره أو التعبير عنها بطريقة أكثر حدة.
عندما تقولين له: “أعرف أنك غاضب” أو “يبدو أنك منزعج”، فأنتِ لا تهدّئينه فقط، بل تساعدينه على فهم ما يشعر به. الطفل الذي يعرف اسم مشاعره، يصبح أقدر على التعامل معها، بدل أن يعيشها بشكل فوضوي.
احتواء المشاعر لا يعني قبول كل تصرف. يمكن أن تتفهمي غضبه، وفي الوقت نفسه توضحي أن الضرب أو الصراخ غير مقبول. هذا الفصل بين المشاعر والسلوك يعلّمه أن الشعور طبيعي، لكن التصرف يحتاج توجيهًا.
تنظيم المشاعر لا يحدث مرة واحدة. يحتاج الطفل إلى مواقف متكررة يرى فيها ردود فعل متوازنة. مع الوقت، يبدأ بتقليد هذا الأسلوب، ويصبح أكثر قدرة على التهدئة الذاتية دون تدخل مباشر.
عندما يراكِ تتعاملين مع ضغوطك بهدوء، أو تعبّرين عن انزعاجك بطريقة واضحة دون اندفاع، فهو يتعلم منكِ دون شرح؛ فالأطفال يلتقطون أساليب التعامل مع المشاعر من سلوك الأهل أكثر من أي نصيحة مباشرة.
عندما يعيش في بيئة متقلبة في ردود الفعل، أو يُطلب منه “أن يهدأ” دون أن يُفهم، أو يُعاقب على مشاعره، يصبح التنظيم العاطفي أكثر صعوبة. في هذه الحالة، لا يحتاج الطفل إلى مزيد من الأوامر، بل إلى نموذج أكثر استقرارًا.
طريقة تعاملك مع مشاعر طفلك اليوم، تتحول مع الوقت إلى صوته الداخلي. إما أن يصبح صوتًا هادئًا يحتويه، أو صوتًا قاسيًا يلومه.
في النهاية، تنظيم المشاعر ليس مهارة منفصلة يتعلمها الطفل لاحقًا، بل تجربة يومية يعيشها معك. وكل لحظة احتواء، حتى لو بدت بسيطة، تترك أثرًا عميقًا في قدرته على فهم نفسه والتعامل مع العالم من حوله.