جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا
خاص

عالم التوحد من منظور الأمهات: مختصر المعاناة والتجارب الصادمة

نُشر: آخر تحديث:

عندما سمعت بمصطلح اضطراب التوحد لأول مرة، لم يكن مجرد تشخيص ووصف لحالة ابني ذو السبع سنوات، بل كانت الكلمة مدخلا لعالم من الفوضى والتحديات التي تعيشها معظم أمهات أطفال التوحد.

وبفضل تجربتي مع هذا العالم وبحثي الشديد حوله، اكتشفت خلاله معاناة صامتة لأمهات لم يُسلط الإعلام الضوء عليهن بالشكل الكافي.

ولذلك، وبمناسبة اليوم العالمي للتوحد؛ كانت "فوشيا" مساحة لأروي قصص وتجارب أمهات نال منهن هذا المصطلح وما خلفه من صعوبات واستغلال ومحاولات فاشلة للعلاج، وحتى اختلافات هائلة حول ما إذا كان مرضا أم لا واستغلال البعض لهذه الكلمة.

في هذا التحقيق سنغوص معا في عمق تجارب لم تروى من قبل، ربما ستكون مصدرا غير معتاد للمعلومات حول عالم التوحد.

معاناة أمهات أطفال التوحد

طفل من ذوي التوحد

ربما يعتقد القارئ أننا سنتحدث عن الأعراض، أو عن صعوبة إيجاد العلاج، أو عن الأسباب التي يتكهن بها بعض الأطباء والباحثين، وبعض المداوين بالأعشاب

ما سنتحدث عنه في هذا التحقيق هو معاناة أُمٍ تم اتهامها بأنها سبب إصابة طفلها بالتوحد، وعن أخرى تعاني مع تحديات داخل بعض البيئات التعليمية التي لا تستوعب هذه الفئة رغم الإعلانات البراقة وتجهيزات الغرف الحسية الجذابة إلى أن يتم وضع أول قسط مدرسي.

سنستعرض، استنادا إلى شهادات الأمهات، ما تصفه بعض الأسر بأنه استغلال واستنزاف يُمارس ضمن أطر نظامية، وبشهادات علمية، لا تنفع إلا لجمع الأموال من أهالي يبحثون باستماتة عن علاج للتوحد.

سنتحدث عن العلاج الوحيد للتوحد الذي وصل إليه العديد من الأهالي الذين خاضو عشرات السنوات من البحث والتجربة على أولادهم، وعن العلاجات المزيفة المنتشرة باسم العلم.

ولا ننسى الوعي المفقود لدى الكثير من الأهالي، حيث يسمحون بوضع أولادهم تحت مقصفة الإبر والجلسات الكهربائية وعلاج الأوكسجين، والأدوية المعوية التي تربط التوحد بجرثومة، وحتى بنقص فيتامين معين!

خرافة علاجات التوحد.. قصة ياسمين

ياسمين القلاف

عندما بدأتُ العمل على هذا التحقيق حول التوحد، كان أول ما ظهر أمامي هو الكم الكبير من العلاجات غير التقليدية التي تُطرح بأسماء تبدو موثوقة. أطباء يقدّمون أنفسهم على أنهم أصحاب اكتشافات حاسمة، ويعدون الأهالي بعلاج نهائي، إلى جانب وصفات وأعشاب وبروتوكولات غذائية تتحدث عن نتائج لم يثبتها العلم.

في هذا السياق، تروي ياسمين القلاف، وهي أخصائية توحد معتمدة من البورد الأمريكي، وأم لشاب توحدي يبلغ اليوم 17 عاماً وقد شُخّص في عمر السنتين، تجربتها مع هذه المرحلة، حيث انتشرت عدة خيارات علاجية بشكل واسع، من بينها جلسات تُقدَّم كحلول متقدمة رغم غياب الأدلة الكافية حولها.

تقول ياسمين إنها خاضت هذه التجارب في بداياتها، فجربت الحمية الغذائية الخالية من منتجات الحليب والغلوتين لمدة 40 يوماً، كما لجأت إلى الإبر الصينية، وكانت تفكر جدياً في البدء بجلسات الأوكسجين قبل أن تتراجع. وقد وصلت إلى هذه المرحلة بسبب الاستغلال العاطفي في محيط يُخاطب مشاعر الأمهات مباشرة، ويقدّم وعوداً واضحة بعلاج الطفل "وإخراجه من التوحد".

وتتوقف ياسمين عند مسألة الفيتامينات، موضحة أنها مفيدة بشكل عام، لكنها لا تعالج التوحد. فقد استخدمت مع ابنها في فترات مختلفة مكملات مثل المغنيسيوم، الأوميغا 3، البروبيوتيك وB-complex، إلا أن التحسن الذي قد يظهر أحياناً يُقدَّم خارجا بشكل مضلل على أنه بداية علاج، مما يجعل الكثير من الأهالي يقعون ضحية لعبة مليئة بالأوهام ومدروسة بعناية.

وأوضحت أم ياسين أنها عاشت هذا التخبط في أول مرحلة خلال رفضها الأولي للتشخيص، ومحاولتها تغيير طفلها بكل الطرق الممكنة. لكن مع مرور الوقت، تغيّر هذا الفهم، وأصبحت أكثر حذراً في التعامل مع أي خيار قد يحمل آثاراً سلبية على صحته، خاصة عندما يكون غير مبني على أساس علمي واضح، وهي تدعوا الأهل للحرص على أجسام وصحة أطفالهم، فالتعامل معها ليس من حقهم، بل عليهم تحري الدقة مع أي شيء يوصف من دون دليل علمي واضح قبل أن يعرّضوا الطفل المسكين للخطر نتيجة عدم تقبلهم لحالته. 

ومع امتداد التجربة، وصلت إلى قناعة مختلفة: التوحد ليس شيئاً يجب التخلص منه، بل هو اختلاف. وعندما يعيش الطفل في بيئة مناسبة لطبيعته العصبية، يمكن أن يحقق تقدماً جيداً. أما البيئات التي تفرض عليه أنماطاً لا تناسبه، فقد تبدو نتائجها سريعة في البداية، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى ضغوط نفسية أو اضطرابات نفسية مصاحبة للتوحد أو إلى ما يُعرف بالتقنّع.

ياسمين القلاف وابنها ياسين

تتداخل هذه الفكرة مع سلوك كثير من الأهالي الذين يضغطون أبناءهم بدافع الوصول إلى نتائج ملموسة، حتى مع وجود تشخيص واضح يشرح طبيعة الاختلاف. في هذه الحالة، يتحول الجهد إلى محاولة مستمرة لتغيير الطفل ليتماشى مع صورة نمطية، وهو ما يستنزف الطرفين.

في المقابل، ترى ياسمين أن فهم التوحد كاختلاف يغيّر طريقة التعامل بشكل كامل، ويجعل ردود الفعل أكثر هدوءاً ووعياً، بما ينعكس على الطفل وعلى الأسرة. وأن التغيير الوحيد الذي نحتاج إليه هو تغيير أفكارنا ومعتقداتنا حول التوحد.

وتتسع الصورة أكثر عند النظر إلى المراحل العمرية المتقدمة، حيث يدرك الأفراد من ذوي التوحد نظرة من حولهم إليهم، خصوصاً حين يشعرون أن هناك محاولة دائمة لتغييرهم. ومع اعتبار سلوكياتهم المختلفة أخطاء يجب تصحيحها، تتأثر ثقتهم بأنفسهم بشكل واضح.

ومن خلال عملها، تلتقي ياسمين بشباب يعبّرون عن رفضهم لاختلافهم، بعد سنوات من المقارنات ومحاولات التغيير. تجربة تترك أثرها على نظرتهم لأنفسهم، وتعيد طرح السؤال حول طريقة التعامل منذ البداية.

في النهاية، تميل هذه التجربة إلى قراءة أوسع لما يحدث، حيث ترى أن ما يواجهه الأفراد من ذوي التوحد في كثير من الأحيان يتجاوز حدود سوء الفهم، ليقترب إلى شكل من أشكال التمييز، وهو ما يستدعي مراجعة حقيقية لطريقة التفكير قبل أي شيء آخر.

أخبار ذات صلة

طفل من ذوي التوحد

تحديات الأم التي تربي طفلًا من ذوي التوحد

القدروية: مفهوم يشرح محاولات عزل ذوي التوحد

أم ياسمين

مصطلح التمييز الذي تحدثت عنه ياسمين يقودني مباشرة إلى قصة آمنة جلبي، وهي أم لشابة توحدية، خاضت تجاربها الخاصة، وكانت من النشطاء الذين يدافعون عن التوحد باعتباره اختلافاً لا مرضاً. هذه الأم ترى أن المعركة القائمة ضد الأشخاص من ذوي التوحد تمثل شكلاً من أشكال التمييز، ودعت إلى مفهوم "القدروية".

كلمة "قدروية" مشتقة من القدرة، وهي محاولة لتقريب مفهوم Ableism من عالمنا العربي. هذا المفهوم الإنجليزي يصف نمط تفكير وسلوك يُفضّل الأشخاص الذين لا يعانون من اختلافات جسدية أو عصبية، ويعتبرهم المعيار الطبيعي، متجاهلاً أو مُقَيّماً الآخرين بحسب قدراتهم المختلفة.

بطريقة مبسطة، القدروية تعني نظرة محددة للقدرات، بدلاً من تقبل جميع أنواع القدرات وتنوعها. تظهر هذه الظاهرة في حياتنا اليومية عبر مواقف واضحة مثل التقليل من شأن قدرات ذوي التوحد، أو أنظمة وبيئات لا تراعي احتياجاتهم، أو محاولات فرض سلوكيات معينة عليهم كي يتوافقوا مع الصورة السائدة. لكنها تمتد أيضاً إلى أفكار راسخة وغير واعية، مثل الاعتقاد بأن الاختلاف يجب إخفاؤه أو تغييره بأي ثمن، مما ينعكس سلباً على شعور الفرد بقيمته، وثقته بنفسه، وطريقة اندماجه في المجتمع.

وكما تخوض أم ياسمين معركة توسيع هذا المفهوم الذي يدعوا الجميع للتفكير حول اعتراضهم على سمات التوحديين، تخوض معركة أخرى إلى جانب باقي الأهالي ضد بعض الأخصائيين الذين يدّعون بأنهم اكتشفوا العلاج السحري لإنهاء مرض أطفال التوحد "على حد تعبيرهم"، واستخدام الأطفال كبضاعة، مع حملات إعلانية مليئة بالابتزاز العاطفي للأهل، مقابل مئات الدولارات.

بالإضافة إلى ذلك، هناك معركة أخرى يجب أن يرتفع صوتها في العالم، وخاصة العربي، تدعوا فيها آمنة إلى التوقف عن استخدام كلمة "مرض" قبل التوحد، فالتوحد كما هو معرّف علميا" اضطراب" وليس مرض، وهو اختلاف عصبي نمائي، وليس انفلونزا أو فيروس ليتم تسميته بمرض، وأن هذه الكلمة بالذات هي الفخ الأول لالتقاط بعض الزبائن بحجة علاج المرض! وتوجه أم ياسمين رسالتها لكبار المواقع الإعلامية بأن يتحروا الدقة قبل استخدام مصطلح " مرض التوحد".

أطفال التوحد كتجارة عالية الدخل

التوحد

في قصص أخرى كثيرة، تظهر تجارة التوحد بوضوح، حيث تعرّض الكثير من أهالي أطفال التوحد للنصب باسم العلاج، أو حتى تقديم جلسات بمبالغ عالية من دون خبرة حقيقية أو حتى معرفة حقيقية بالتوحد، إليك بعض التجارب التي عاشتها الأمهات:

تجارب أمهات مع تشخيص خاطئ وعلاجات وهمية

ذكرت م. أ من غزة في قصتها أنها عاشت تجربة موجعة خلال الحرب، حيث وجدت نفسها وحيدة دون أي دعم لطفلها المشخص بالتوحد، فاضطرت للجوء إلى استشارة عبر الإنترنت أملاً بالمساعدة. إلا أنها صُدمت بتشخيص سريع وغير دقيق؛ ما إن تم فتح الكاميرا حتى شخصت ابنها بتوحد درجة ثانية، من دون إنصات حقيقي لما عاشته مع طفلها أو تقدير لجهودها. وتضيف أن الصدمة الأكبر لم تكن في التشخيص، بل في الكلمات القاسية التي وُجهت لها حين قيل لها ببرود "ابنك سيبقى مجنون وسيمشي في الشارع يتكلم مع نفسه"، وهي عبارة هزّت كيانها وأدخلتها في حالة انهيار نفسي عميق، استمرت معها لشهرين من الاكتئاب والبكاء والشعور بفقدان كل ما بنته.

بعد محاولات أخرى مع اختصاصيين، قررت أن تكمل مع ابنها وحدها، وذكرت "سأتعلم وأقرأ بنفسي أونلاين، وأبني مهاراته بالطريقة التي تناسبه. نصيحتي لكل أم: لا تيأسي أبداً. الحل الأول والوحيد هو الأهالي".

  • وذكرت أم أخرى قصتها بعد معاناة مع مراكز التوحد وجلسات الأخصائيين: أعتقد أن هذه المراكز والجلسات مجرد استنزاف لولي أمر الطفل، ومن مصلحتهم أن يبقى الطفل بحاجتهم، لذلك فهم لا يقدمون استراتيجيات تساعد الأم فعلا في البيت. بعد سبع سنوات من المعاناة مع ابني ودفع مبالغ هائلة، اكتشفت أن بإمكاني اختصار كل تلك الجهود عبر متابعتي المنزلية معه، والتعلم أون لاين. 
  • وفي معاناة أخرى لأم لطفلة توحدية بعمر ثماني سنوات: تعرضتُ للنصب من قِبل دكتور مشهور ومعروف جداً، أخبرني أن ابنتي مصابة بما سماه "توحداً كاذباً"، وأن العلاج بسيط ويتطلب متابعة فقط. وثقتُ بكلامه وتابعت معه لمدة سبعة أشهر، بعد أن أوقفت كل الجلسات الأخرى على أمل أن تعود ابنتي طبيعية. لكن ما حدث كان العكس تماماً، إذ تراجع أداؤها بشكل ملحوظ. عندها تأكدت أن ابنتي بالفعل على طيف التوحد، وأنه لا يوجد شيء اسمه توحد كاذب، بل مجرد وهم يُباع للأمهات.

  • وفي تجربة شهيرة أخرى خاضتها الكثير من الأمهات، يطالبون فيها الأهل بعمل فحص جيني للطفل، وفحوصات للمعادن في جسمه، ثم تقديم بروتوكول غذائي هدفه استهداف الجين المسؤول عن التوحد؛ حسب كلام الدكتور، وهو ما أدخل الأهل في مصيدة انتظار النتائج التي حسب قولهم ستطول لمدة سنوات "مادام الأهل سيستمرون بدفع المبالغ المطلوبة".

كما وصلتني روايات أخرى تتعلق بمركز علاجي كان مرخصًا في أحد البلدان العربية، حيث أفاد عدد من الأهالي بأن القائمين عليه كانوا يروّجون لأساليب وُصفت بأنها "نتائج واعدة" في التعامل مع اضطراب طيف التوحد، من بينها استخدام تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التقييم، إلى جانب جلسات تحفيز دماغي.

وبحسب هذه الروايات، لم يلمس الأهالي تحسنًا ملموسًا بعد فترة من المتابعة، مما أثار حالة من الاستياء لديهم. وتشير المعلومات المتداولة بين الأهالي إلى أن المركز تم توقّيفه لاحقًا، مع انتقال النشاط إلى موقع آخر، من دون وضوح كامل حول طبيعة التغييرات أو النتائج.

أخبار ذات صلة

جومانا مراد

عبر "اللون الأزرق" جومانا مراد في رسالة إنسانية عن التوحد

المسميات عديدة والنتيجة واهمة

ذكرت م. ع ملخصا لمسيرتها النضالية في عالم التوحد بفقرة واحدة قائلةً: في عالم التوحد سوف تصادفين كل ما يخطر ببالك، بداية من وصفه كإعاقة عقلية، إلى وصفه كتنوع عصبي، سوف تجدين مدخل البيولوجيا والوراثة، والمدخل السلوكي، والتنوع العصبي والمعرفي، ثم تجدين اختلافات وتوجهات بين كل ذلك. سوف تتعرفين على أناس مقتنعين تماما أنه مرض وبالتأكيد يوجد له علاج ويصارعون في سبيل ذلك، وآخرون يعتقدون أن علاجه في معدته، وآخرون في دماغه والاشارات الكهربائية، وعلاجه ببعض الجلسات الكهربائية أو تحفيزات للمخ أو بعض الإبر. ولا ننسى النموذج السلوكي الذي يقيس سلوك التوحدي وفقا لما يسمى بالنمط الطبيعي للسلوك، ويعتبر ما دونه اختلالا ويحتاج إلى تعديل "وهو طفل التوحد". ثم لا ننسى المجتمع الداعم لإنسانية التوحدي، وأنه يعالج المعلومات بطريقة مختلفة عن الأشخاص الطبيعيين. وأن التعديل يجب أن يستهدف البيئة المحيطة، وتعديل ثقافة الناس. كما أن هناك خرافات علاجية لا يسع الحديث عنها من كثرتها، ببساطة تعودت أن لا أتفاجأ بأي شيء في عالم التوحد".

باختصار، السؤال للأهل ليس ما الذي يؤمنون به حالياً، بل في أي مرحلة هم من كل ما سبق.

رسالة صارخة.. جسم التوحدي ليس مزرعة لتجاربكم

في رسائل صارخة عبر العديد من المؤثرين، نبهت ك. ح عبر مجتمع أمهات ضحايا لتجارة التوحد عبر "فيسبوك": هناك دكتور شهير على "تيك توك" يتحدث عن علاج نهائي للتوحد يتم عبر تكثيف أدوية أعصاب بشكل كبير للطفل وباستمرار لمدة عام أو عام ونصف، نحن نتحدث عن أدوية أعصاب ومهدئات بعيارات ثقيلة لها أضرار، برأيكم ماذا سيحدث للطفل بعد تناوله جرعات مثل تلك؟

أنتم تستخدمون أطفالكم كتجربة لفكرة ظهرت في عقل متطفل على عالم التوحد، وهي غير مدعومة علميا، الوعي مهم قبل طرح أطفالكم على من هب ودب بسبب عدد متابعين.

في كل مكان تجدون صديقنا النصاب

د. هدى علي المهدي

في قصة أخرى ذكرتها الدكتورة هدى علي المهدي، استشارية طب العائلة في الكويت، وأم لشاب توحدي عمره 28 عاماً، سلطت الضوء على خطورة توظيف أشخاص لا يفقهون شيئا بالتربية الخاصة، بعدما تعرضت لتجربة نصب ومحاولة استغلال لابنها التوحدي، فوجئت بعد فترة بأنه تم تعيين الشخص نفسه في أحد المدارس التي كانت قد سجلت ابنها بها.

وهو ما يعكس خطورة استخدام الشهادات لدوافع تجارية، والتهرب بكل سهولة من العقاب، باعتقادهم بأن الشهادة تحميهم، وهي مجرد مناصب يتقلدونها من مكان لمكان.

علاجات منذ أكثر من ربع قرن.. والنتيجة واحدة

من بين العلاجات الأخرى التي صادفتها د. هدى خلال رحلتها مع ابنها، عندما كان طفلا كان علاج تمارين الدماغ، وهي مجموعة من الحركات التي تساعد على التعلم والتنظيم والتركيز وتنشط وظائف الدماغ وحس الإدراك وتحسينها، وتعرفت على سيدة سنغافورية تقوم بتدريب أطفال طيف التوحد، وقامت بزيارة ابنها فارس لتحديد التمارين المناسبة، وخلاصة القصة أنها ما لبثت أن فهمت أن تلك الحركات البهلوانية التي تُمارسها ليست إلا لعبة ذهنية أخرى من باحثين عن رزق في عالم التوحد.

وفي علاج آخر جربته أم فارس، تحت مسمى الهوميوباثي، بعد ترشيح من امرأة هندية تدعي أن ابنتها عالجت الكثير من حالات التوحد وهي خبيرة في المجال، لكن الطبيبة المختصة أرسلت لها مجموعة من الحبوب البيضاء المجهولة مرفقة بها طريقة الاستخدام.

وبدأت فعلا بالعلاج الذي من المرشح أن يستمر لثلاثة أشهر، وكل ما وجدته من نتائج أن طفلها تراجع بشكل واضح في أدائه على العديد من المستويات، وكان مبرر الطبيبة أن الدواء به سكريات تزيد من نشاطه، وأن الأمر طبيعي جدا، وعندما سألتها عن المكونات، أخبرتها بأنها من الطبيعة ولم تُدون مكوناته في كتب الطب بعد. حتى أنها عرضت أن ترجع لها المبلغ المدفوع وليتوقف فارس عن أخذ الدواء، إن لم تثق بها، وأنها أول أم تشتكي.

وهو ما يعيد قصة العلاج للمربع الأول عند كل تجربة سُردت.

التوحد والنظام التعليمي.. معاناة أخرى

التوحد والنظام التعليمي

لا يمكننا فتح موضوع عن التوحد، وعدم التحدث عن نظام التعليم، أو معاناة أولياء الأمور من هذه الدائرة المرهقة، التي يكون هدفها الأول هو دمج الطفل في النظام التعليمي ليعيش حياة أقرب للطبيعية وربما يتخرج ويجد عملا، لكن التجارب لم تكن بتلك السهولة أبدا:

  • تروي أ. ج، وهي أم لطفل على طيف التوحد بدرجة شديدة بحسب وصفها، رحلتها المؤلمة مع التعليم، حيث رفضت تقبّل فكرة حرمان طفلها من تجربة المدرسة كغيره من الأطفال. وبعد رفض العديد من المدارس، وجدت أخيراً مدرسة وافقت على دمجه، لكن بتكاليف مرتفعة استنزفت الأسرة، واضطرّت للعمل الإضافي إلى جانب زوجها لتغطية الأقساط والجلسات ورواتب "معلّمة الظل" والمربية المساعدة.

    تقول إن سنوات من الجهد والتعب كانت مدفوعة بأمل واحد: مستقبل طفلها. لكن بعد خمس سنوات، تلقت صدمة قاسية حين أبلغتها المدرسة بعدم قدرتها على الاستمرار، وأن طفلها يحتاج إلى التأهيل فقط، وليس التعليم. عندها، واجهت شعوراً عميقاً بالندم على الوقت والجهد الذي استنزفها، لتصل إلى قناعة مؤلمة: أن تقبّل حدود الحالة منذ البداية كان سيختصر الكثير من المعاناة.

  • في تجربة ترويها أم تعيش في بلد عربي، واجهت تحديات مبكرة بعد ملاحظتها مؤشرات على اضطراب طيف التوحد لدى طفلها، وسط صعوبات في استكمال التشخيص وظروف أسرية معقدة. وتشير إلى أن المدرسة لم تكن مهيأة، إذ طُلب منها التعامل معه كطفل "طبيعي" من دون توفير دعم إضافي، مع صعوبة في الحصول على تقارير رسمية أو إدخال دعم متخصص. ورغم وجود تفهّم فردي من بعض العاملين، لم ينعكس ذلك على القرارات، مما دفعها للمطالبة ببيئة تعليمية أكثر مرونة تراعي احتياجات الطفل.
  • وفي قصة أخرى ترويها ه. أ، المقيمة في بلد أوروبي، واجهت صعوبة في إيجاد مدرسة تقبل طفلها رغم كونه على درجة بسيطة من التوحد. وحتى عند القبول، فُرضت شروط إضافية مثل رسوم أعلى واشتراط وجود "معلّم ظل". وتوضح أن مجرد الإشارة إلى تأخر في النطق كان كافياً لفرض متطلبات مرهقة، إلى جانب نصائح تُشعر الأم بالتقصير، رغم محدودية خبرة بعض المدارس في التعامل مع هذه الحالات.

أخصائيون يصحّحون أخطاء زملائهم

عبد الرحمن قصير

على الجهة الأخرى، هناك تحديات صامتة يواجهها كثير من الأخصائيين الذين يحاولون إصلاح سمعة المجال، بعدما أفسده بعض الباحثين عن الربح من حاملي الشهادات. فيكون التحدي الأول، قبل بدء العمل، هو إثبات نواياهم للأهالي، وتقديم ما يؤكد أن هذا الطفل لن يكون مشروعاً تجارياً آخر، بل حالة إنسانية تُقدَّم لها خدمة مقابل أجر منطقي.

وفي هذا الصدد، حاورنا عبد الرحمن قصير، المعلم الخاص لذوي التوحد، الذي قال: أنا كأخصائي أعمل بشكل مباشر مع الأهل، ويتأثر عملي من اتجاهين:

الأول: فقدان الثقة بعد تجارب سابقة، وتعميم هذه التجارب على جميع الأخصائيين، ما يقود بعض الأهالي إلى التشتت أو الاستسلام. وفي أحيان كثيرة يكون الطفل بحاجة فعلية إلى تدخل مختص، لكنهم يتأخرون، فنخسر بذلك فترة التدخل المبكر.

الثاني: التهويل التجاري، الذي يصنع فجوة بيني وبين الأهل، خصوصاً غير المطلعين بشكل كافٍ على التوحد أو الاضطرابات النمائية، أو غير المدركين لاحتياجات طفلهم للوصول إلى الاستقلالية أو إلى بيئة أقل تقييداً.

فقد يستخدم بعض التجاريين كلمات بسيطة تجذب الأهالي، أو يلجأ إلى مصطلحات معقدة تُشعرهم برهبة التخصص، فيصبح من الصعب الفهم، ما يدفعهم لتسليم الأمر له باعتباره خبيراً.

في النهاية، القضية صعبة، خاصة مع وجود قوانين صارمة تمنع كشف هؤلاء علناً، فيما تتزايد أعدادهم، والأسوأ أن بعض القنوات التلفزيونية تستضيفهم، فيستغلون هذه الظهورات لكسب ثقة الأهالي.

ونصيحتي للأهل: الابتعاد عن أي طرح يستخدم كلمات مثل "الشفاء" أو "العلاج"، واستبدالها بمفاهيم أكثر واقعية مثل "الدمج" أو "التأهيل"، عند الحاجة لمتابعة مختص."

العلاج الوحيد للتوحد

اليوم العالمي للتوحد

تلك الجملة السحرية الجذابة والبراقة، هي ما يلتقط أول انتباه للأهل، وذلك ليس تقليلا من شأن مشاعرهم، ولكن تلك المشاعر هي ما تقودهم لرحلة طويلة من المعاناة، وهدفنا من هذا التحقيق هو أن نلخص لكم تجارب استمرت لعشرات السنوات، من توحديين وصلو لعمر الثلاثين وجربوا كل ما يمكن تجريبه:

  • ياسمين القلاف: نصيحتي لكل أم، لا تطيلي مرحلة الرفض والبحث عن حلول لطفلك المشخص بالتوحد، أتفهم معاناتك فقد كنت هناك، لكن عندما ستصلين للتقبل سوف تختصرين الطريق.
  • آمنة جلبي: علاج التوحد هو التقبل، لأن المشكلة ليست في الطفل، بل في عالم يرفض الاختلاف ويطالب الجميع بالتشابه، علاج التوحد هو التقبل، لأن القبول يفتح باب التواصل، ويخفف الضغط، ويمنح الطفل الأمان بدل الصراع.
  • د. هدى المهدي: رسالتي تحولت من التوحد، إلى الأم وكيف يجب أن تعتني بنفسها وتتعلم التقبل، فأنت يا أم تقبلي عطية الله، وهذا هو الحل الوحيد.


وبنهاية هذا التحقيق، لا يسعني القول إلا أن مهمة حماية الطفل تقع بالدرجة الأولى على الأهل، وأهم سلاح هو الوعي، والبحث والسؤال قبل كل خطوة قد يجدونها سهلة أو تغنيهم عن عناء التعامل مع التحديات الهائلة لذوي التوحد. 

أخبار ذات صلة

حلول فعالة لمشكلات النوم عند أطفال التوحد

اضطرابات النوم لدى أطفال التوحد وكيفية التعامل معها

 

logoأحدث اتجاهات الفن والأزياء والجمال على منصة واحدة
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا