لا تتوقف تداعيات الطلاق عند حدود الخلافات القانونية، بل تمتد لتطال عمق التوازن النفسي لدى المرأة، واضعةً إياها أمام ضغوط متراكمة قد تتفاقم إلى أزمات حقيقية في غياب الدعم المناسب.
وفي هذا السياق، أعادت حادثة مأساوية هزّت الرأي العام المصري تسليط الضوء على خطورة الضغوط النفسية غير المعالجة، بعد أن أنهت البلوغر المصرية بسنت سليمان حياتها في واقعة صادمة، وسط حالة من الذهول الواسع، خاصة أنها وثّقت لحظاتها الأخيرة عبر بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ما فتح بابا واسعا للنقاش حول الصحة النفسية وأهمية التدخل والدعم في الوقت المناسب خصوصا للنساء بعد الطلاق وما يرافق هذه المرحلة من تحديات نفسية واجتماعية معقدة.
وعلى ضوء ذلك، كشفت أخصائية علم النفس إيلا إيمانويل، خلال حديثها لموقع "فوشيا"، عن أبرز الانعكاسات النفسية لهذه المرحلة، محذّرة من خطورتها ومشددة على أهمية التدخل المبكر للحد من تداعياتها.
أكدت إيلا إيمانويل أن الخلافات الممتدة بعد الطلاق، ولا سيما تلك المرتبطة بالنفقة والحضانة، تضع المرأة في حالة ترقّب دائم؛ ما يرفع مستوى قلقها. وينعكس هذا التوتر المستمر على بنيتها الجسدية من خلال ارتفاع هرمون الكورتيزول؛ ما يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي متراكم يصعب تجاوزه مع مرور الوقت.
ولفتت إيمانويل إلى أن شعور المرأة بانتهاك حقوقها القانونية قد يولّد لديها إحساسا عميقا بالعجز والظلم؛ ما ينعكس تدريجيا على ثقتها بالمؤسسات وبمفهوم العدالة. ومع الوقت، قد يتطوّر هذا الإحساس إلى ما يُعرف بـ"العجز المتعلّم"، حيث تفقد المرأة إيمانها بقدرتها على التغيير أو استعادة حقوقها.
اعتبرت أخصائية علم النفس أن الخوف من فقدان الأطفال، أو القلق على مستقبلهم، قد يشكّل أحد أبرز مصادر الضغط النفسي بعد الطلاق. هذا الهاجس المستمر قد يعمّق القلق، ويؤثر سلبا في قدرة المرأة على التركيز في حياتها اليومية والمهنية؛ ما يزيد شعورها بعدم الاستقرار.
وأوضحت أن هذه الضغوط قد تقود إلى اضطرابات نفسية متعددة، أبرزها الاكتئاب التفاعلي المرتبط بالشعور بالظلم، وقد تتطور في بعض الحالات إلى اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة إذا ترافق ذلك مع تهديدات أو عنف. وفي مراحل متقدمة، قد تصل المرأة إلى أفكار انتحارية نتيجة شعورها بالعزلة وانعدام الأمل. كما قد تظهر أعراض نفسية جسدية، مثل: الصداع المزمن، واضطرابات الهضم، وارتفاع ضغط الدم.

أشارت إيلا إيمانويل إلى أن الضغوط الاجتماعية لا تقل خطورة عن القانونية، إذ يؤدي التشكيك بسمعة المرأة إلى زعزعة ثقتها بنفسها، وقد يدفعها تدريجيا إلى تصديق ما يُقال عنها، حتى وإن كان غير صحيح. هذا التراكم من الإساءة قد يدفعها إلى الانسحاب من محيطها الاجتماعي، والدخول في عزلة قد تؤثر في قدرتها على بناء علاقات صحية.
وحددت إيمانويل ثلاث فئات رئيسية من العلامات التي تدل على تفاقم الضغط النفسي :علامات نفسية، مثل الحديث عن الموت، البكاء المفاجئ، الشعور بالفراغ، وفقدان القيمة الذاتية، علامات سلوكية: كإهمال الذات، الانسحاب الاجتماعي، أو الاعتماد المفرط على الأدوية والمهدئات وعلامات جسدية: كاضطرابات النوم، تغيّر الوزن، تسارع نبضات القلب، أو الإصابة بأمراض متكررة.
شددت إيلا على ضرورة التدخل الفوري في حال فقدان المرأة قدرتها على أداء مهامها اليومية، أو ظهور أفكار انتحارية، أو التوجه نحو الإدمان، أو إهمال الأطفال. كما أن استمرار هذه الأعراض لأكثر من شهرين يستدعي دعما متخصصا عاجلا لتفادي تفاقم الحالة.
ودعت المرأة إلى البحث عن مجموعات دعم، سواء عبر الإنترنت أو في الواقع، والتواصل مع أشخاص موثوقين لمشاركة مشاعرها. كما شددت على أهمية اللجوء إلى مختص نفسي عند الحاجة، وتجنب العزلة عبر الانخراط في أنشطة يومية أو تطوعية.
أكدت إيلا إيمانويل أن المحيط قد يلعب دورا محوريا في تخفيف الضغط، من خلال الاستماع إلى المرأة من دون إصدار أحكام، وتقديم الدعم العملي والمعنوي، وحمايتها من النميمة. كما شددت على ضرورة تجنّب النصائح الجارحة أو المقارنات، وعدم الضغط عليها لاتخاذ قرارات مصيرية خلال هذه المرحلة الحساسة.
كما اختتمت حديثها بتأكيد أهمية الوقاية، سواء عبر تعزيز الوعي القانوني وتوفير خدمات الدعم النفسي، أو على المستوى الفردي من خلال بناء شبكة علاقات داعمة قبل الأزمات. كما دعت إلى اعتماد حلول ودية في قضايا الحضانة والنفقة لتجنّب النزاعات الطويلة، مشددة على أن الطلاق ليس نهاية الحياة، لكن غياب الدعم قد يحوّله إلى أزمة قاسية.