في بعض العلاقات، تمضي الأيام وتتراكم المواقف، فتجدين نفسك تعاتبين على التفاصيل نفسها، وتكررين الكلمات ذاتها، على أمل أن يتغيّر شيء. أو أن يفهم المقصد، أن يشعر بالألم الذي سببه، أو أن يبدي اهتماما حقيقيا.
وبينما يبدو العتاب في البداية دليلا على التمسّك والرغبة في الإصلاح، يتحول تدريجيا إلى استنزاف للمشاعر ونمط كامل يُبنى عليه التواصل خصوصا إذا كان بلا فائدة.
فالعتاب الصحي يقاس بما بعده، أي بالاستجابة والتغيير والرغبة المشتركة في التقارب. لكن حين يصبح العتاب مجرد تكرار لسيناريو محفوظ، يفقد قيمته.

تظهر الإشارات في ردود الفعل، والوعود الفورية بالتهدئة من دون أي تطبيق على أرض الواقع، أو تحويل اللوم عليك لتصبحي أنت كثيرة الشكوى. وقد تلاحظين أيضا الصمت العقابي، أو الانسحاب من الحوار، أو تقديم أعذار مكررة تهدف إلى إنهاء النقاش لا حل المشكلة. وهنا، لا يعود العتاب وسيلة للإصلاح، بل يتحول إلى عبء يباعد بينكما.
أحيانا نستمر بالعتاب بدافع الأمل، وفي أن الكلمة القادمة قد تصنع الفارق، وأحيانا لأننا نربط صمتنا بالاستسلام أو نهاية العلاقة.
فقد تقنعين نفسك أن الطرف الآخر لا يقصد أو أنه يحتاج إلى وقت ليفهم، وفي أحيان أخرى، يكون العتاب محاولة مستميتة لإثبات أنك فعلت كل ما بوسعك قبل اتخاذ أي قرار بالابتعاد.
كرامتها العاطفية أولا، ثم سلامها النفسي. ومع الاستمرار، يبدأ الإحباط بالتسلل وتشعرين بالإنهاك، ويتحول الحوار من مساحة لتقريب وجهات النظر إلى بيئة مشحونة تستهلك طاقتكِ.
والخسارة الكبرى هي تحولك من شريكة في العلاقة إلى شخص يرجو الاهتمام، وهو ما يغير نظرتك لنفسك ويفقدك الشعور بالأمان.
فالفرق بين عتاب المحبة وعتاب الاستجداء، هو أن عتاب المحبة يصحبه إنصات، ومحاولة حقيقية للفهم، وتغيير ملموس في السلوك؛ لأنه ينطلق من رغبة حقيقية في الحفاظ على الروابط.
أما عتاب الاستجداء، فهو تكرار للشكوى أمام طرف اختار عمدا ألا يسمع، حيث يكرر السلوك نفسه من دون اكتراث بالأثر.
البداية تكون بالاعتراف بالواقع: إذا كان الكلام لم يغيّر شيئا لمرات عديدة، فإن تكراره لن يأتي بنتيجة مختلفة.
توقفي عن الشرح المفرط: المشاعر الواضحة لا تحتاج إلى كتيب إرشادات دائم.
استبدلي العتاب بالمراقبة، تراجعي خطوة إلى الوراء، وانظري إلى الأفعال لا الوعود.
ضعي حدودا لطاقتك: احمي سلامك الداخلي، واعلمي أن الصمت في بعض الأحيان يكون أبلغ وأقوى من ألف كلمة عتاب.
في النهاية، العلاقة التي تستحق الاستمرار هي التي تجدين فيها صدى لشكواك، حيث يكفي التلميح لتعديل المسار. أما العلاقة التي تعيش على العتاب المستمر، فتبقيك في حالة دفاع دائم وترقب مستمر لإنصاف قد لا يأتي.