الحديث عن الصحة النفسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة يومية لكل واحد منا. في عالمنا المليء بالضغوط والتحديات، كثيرًا ما نجد أنفسنا نتساءل: كيف نحمي عقولنا من الإرهاق؟ كيف نتعامل مع التوتر والقلق؟ ولماذا يبدو أحيانًا الحديث عن المشاعر أمرًا صعبًا؟
في هذه المقابلة الحصرية مع الدكتورة النفسية عزيزة المغيولي بالتزامن مع اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يصادف اليوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول نتناول كل هذه التساؤلات وأكثر. تقدم المغيولي إجابات صريحة وعملية تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل، وتفتح أمامنا نافذة على عالم العلاج النفسي بطريقة مبسطة وواقعية.

من خلال خبرتها الطويلة، تكشف الدكتورة عزيزة المغيولي لدى مدينة الشيخ شخبوط الطبية في أبوظبي أسرار التعامل مع التحديات النفسية اليومية، وتجيب على الأسئلة التي تخطر في بال كل منا من دون خوف أو خجل.
من أسوأ النصائح التي تُقال لمن يعاني من اكتئاب أو ضيق: "إيمانك ضعيف" أو "لو كنت أقرب إلى الله ما شعرت بهذا". هذا النوع من الكلام لا يواسي، بل يضاعف الألم.
الإيمان لا يحصّننا من المشاعر الإنسانية، بل يعلّمنا كيف نحتويها. حتى الأنبياء شعروا بالحزن والخوف، لكنهم لم يُلاموا عليه، لأن المشاعر ليست ضعفًا في الإيمان، بل جزء من التجربة الإنسانية التي خُلقنا لنتعلم منها.
الإيمان الحقيقي لا يعني أن لا نحزن، بل أن نصدق أن وراء هذا الحزن معنى.
وسائل التواصل مثل المرايا المشروخة؛ نرى أنفسنا فيها لكن بزاوية محدودة. هي تصنع عالمًا يبدو جميلًا لكنه مفلتر من الحقيقة. الشباب يعيشون اليوم تحت ضغط "أن يكونوا مرئيين" أكثر من أن يكونوا سعداء.
السوشال ميديا لا تسرق وقتنا فقط، بل تسرق إحساسنا "بالكفاية".
أن العلاج النفسي هو "للضعفاء".
في الحقيقة، الذهاب للعلاج النفسي هو علامة شجاعة. أن تقترب من جرحك لتفهمه لا لتخفيه، هذا هو أقصى درجات القوة الإنسانية.
نعم.. عادة الجلوس مع الذات بصمت. في عالم مليء بالضوضاء، الصمت أصبح رفاهية.
التغيير يبدأ حين نتحدث بصدق. حين يصبح الحديث عن الاكتئاب أو القلق طبيعيًا مثل الحديث عن السكر أو ضغط الدم، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو مجتمع واعٍ.
الخطوة الأخرى هي أن نعلّم أطفالنا التعبير عن مشاعرهم من دون خجل. المجتمع يتعافى حين يتعلم "لغة العاطفة".
ثلاث عادات بسيطة:
لا تحاول أن "تُصلحه"، فقط كن هناك. الدعم لا يعني الكلام، أحيانًا يعني الصمت بجانبه.
قل له: "أنا هنا إن احتجتني"، وصدق نيتك حين تقولها.

يمكنها أن تكون "جسرًا"، لا "وطنًا". الواقع الافتراضي يمنحنا مساحة آمنة للتدريب على الهدوء، لكنه لا يغني عن التواصل الإنساني الحقيقي.
التكنولوجيا قد تفتح باب العلاج، لكن التعافي يبدأ عندما ننظر في عيون أنفسنا، لا في شاشة.
لقد أصبحنا نعيش داخل سباق لا نعرف خط نهايته. ثقافة الإنجاز جعلت الناس يشعرون بالذنب حتى في لحظات الراحة.
الصحة النفسية تبدأ عندما نسمح لأنفسنا أن نكون، لا أن نُثبت أننا موجودون.
حين تتكرر نفس الدائرة من الألم رغم تغيّر الظروف. حين تشعر أن كل شيء "أصبح مجهودًا".
حين تضحك، لكن لا تشعر بالضحك. تلك اللحظة هي دعوة صامتة تقول: "لا تتجاهلني، استعن بمَن يفهم".
"هل أنا أعيش حياتي… أم أؤديها فقط؟" هذا السؤال وحده كفيل بأن يعيدك إلى وعيك.

تمرين "الملاحظة بدون حكم": كل يوم، اختر شيئًا بسيطًا حولك مثل كوب، أو شجرة، أو صوت وراقبه من دون أن تصفه أو تحكم عليه. بعدها جرب أن تفعل ذلك مع أفكارك. هكذا يبدأ الهدوء: من لحظة قبول واحدة.
أقول لهم: الذهاب للعلاج لا يعني أنك مكسور، بل أنك قررت ألا تبقى كذلك.
العلاج ليس نهاية الضعف، بل بداية النضج.
الصحة النفسية ليست رفاهية، إنها الأساس الذي تقوم عليه كل لحظة في حياتك. امنح نفسك نفس القدر من العناية التي تمنحها لهاتفك حين تشحنه.
استرح، وتنفس، وتذكر: أنت لست آلة، أنت كائن جميل في رحلة تعلّم طويلة مع ذاته.