الهيموفيليا من اضطرابات الدم النادرة والمعقدة، وتشكل تحديًا طبيًا واجتماعيًا كبيرًا. ينشأ المرض نتيجة خلل في أحد عوامل تخثر الدم؛ ما يجعل الشخص المصاب عرضة للنزيف المستمر حتى من الإصابات الطفيفة، وقد يؤدي أحيانًا إلى مضاعفات خطيرة في المفاصل والعضلات والأعضاء الداخلية.

الهيموفيليا هو مرض وراثي نزفي ينتج عن نقص أو خلل في أحد عوامل التخثر في الدم، ما يعوق قدرة الدم على التجلط بشكل طبيعي لدى الأشخاص المصابين، وقد يحدث نزيف داخلي أو خارجي بسهولة، حتى عند إصابات طفيفة أو أحيانًا من دون سبب واضح، ويُعد هذا المرض من أشد الاضطرابات التخثرية الوراثية شيوعاً، ويحتاج المصاب إلى متابعة طبية دقيقة لتفادي المضاعفات.
كما يُصنف المرض ضمن الاضطرابات النزفية الموروثة التي تؤدي إلى ضعف تكوين الجلطة، وبالتالي نزيف مطول أو غير طبيعي.
نعم، قد يشكّل مرض الهيموفيليا خطورة خاصة إذا لم يُعالج أو أهمل، وتشمل مخاطره عدة مضاعفات صحية بحسب موقع Healthcare:
نزيف داخلي في المفاصل مما يؤدي إلى تدمير المفاصل وتشوهات لاحقة في الحركة.
نزيف في العظام أو العضلات العميقة، ما يسبب ألم شديد أو تدهور وظيفي.
نزيف داخلي خطير، مثل نزيف في المخ أو تحت غشاء الدماغ، والذي قد يهدد الحياة إذا لم يُكتشف مبكرًا.
تراكم الدم في أعضاء حيوية مثل الكبد أو الكليتين أو الحوض قد يسبب مضاعفات إضافية.
في الحالات الشديدة، قد يصاب الشخص بنقص عام في نسبة عوامل التخثر مما يجعل حتى الإصابات البسيطة خطيرة.
إضافة إلى ذلك، الفشل في السيطرة على النزيف المستمر يمكن أن يؤدي إلى فقر الدم المزمن أو هشاشة العظام أو مضاعفات المفاصل المزمنة.

يوجد ثلاثة أنواع رئيسية من الهيموفيليا، تختلف بحسب العامل المتأثر، مع تباين في مدى الشيوع وحدّة المرض.
هو النوع الأكثر شيوعًا من الهيموفيليا.
يتم تشخيصه عبر قياس نشاط العامل الثامن.
في الحالات الشديدة، قد يكون النشاط أقل من 1% من القيمة الطبيعية؛ ما يؤدي إلى نزيف تلقائي متكرر.
ناتج عن نقص أو خلل في العامل التاسع.
يُعرف أيضًا باسم مرض كريسماس (Christmas disease).
تشخيصه يعتمد على قياس نشاط العامل التاسع.
تُقسم شدة المرض إلى خفيف ومتوسط وشديد وفق مستوى النشاط.
مؤخراً، تمت الموافقة على علاج جيني للهيموفيليا B يُدعى Hemgenix لزيادة إنتاج العامل IX بجرعة واحدة فقط.
ناتج عن نقص في العامل الحادي عشر.
أقل شيوعًا من النوعين A و B.
ارتباطه بحدوث النزيف لا يكون دائماً واضحًا، فبعض المرضى قد يكون لديهم نشاط منخفض لكن من دون أعراض كبيرة.
غالبًا يُكتشف بعد إجراء فحوص دم روتينية، أو بعد نزيف غير معتاد أو جراحة.
أما من الناحية السريرية، أعراض الأنواع A و B متشابهة إلى حد كبير، لذا لا يمكن تمييزهما من دون الفحص المختبري لقياس نشاط العامل المتأثر.

تشخيص الهيموفيليا مبكرًا أساسي لبدء العلاج والوقاية من المضاعفات الدائمة. تشمل الخطوات الأساسية:
عادة ما يتم سؤال الأهل عن وجود حالات نزيف غير عادية في العائلة، لا سيما بين الذكور، أو عن وجود تاريخ وفاة مفاجئة نتيجة نزيف. وقد تظهر أعراض واضحة عند الطفل مثل كدمات سهلة، رضوض غير مبررة، نزيف في اللثة، أو نزيف بعد التعرض للعدوى أو الإصابات الطفيفة.
الفحص الدموي الشامل CBC لاستبعاد فقر الدم أو غيره.
قياس زمن البروثرومبين PT وزمن الثرومبوبلاستين الجزئي aPTT.
نشاط عوامل التخثر Factor assays: يقاس نشاط العامل VIII أو IX أو XI بحسب الاشتباه.
فحص عوامل Von Willebrand للتفريق في الحالات الخفيفة
عند التأكد من نقص العامل، يُنصح بإجراء تحليل جيني لتحديد الطفرة في الجينات المسؤولة مثل F8 أو F9، وهذا يسهل التشخيص، توقع شدة المرض، والتخطيط للعلاج والوقاية من مستقبل المضاعفات.
في السنوات الأخيرة، تم استخدام تقنيات الجيل الثالث Long Read Sequencing للكشف بدقة أكبر عن طفرات الجين F8.
كما يُستخدم التشخيص قبل الولادة أو التشخيص الوراثي للأزواج الناقلين لتقليل انتقال المرض.
بعض المرضى قد يطورون أجسامًا مضادة تعمل كمثبطات لعوامل التخثر عند إعطائها علاجًا، لذا يُجرى فحص خاص لاكتشاف هذه المثبّطات بشكل دوري، خاصة في الحالات الشديدة.
في الأطفال قد يُستخدم التصوير مثل الأشعة أو الرنين المغناطيسي للمفاصل التي تعرضت لنزيف لتقييم التلف المفصلي اللاحق.
تعتمد أعراض الهيموفيليا على شدة الحالة، وتشمل أبرزها:
النزيف المفرط بعد الجروح أو الخدوش أو التدخّل الجراحي أو قلع الأسنان.
الكدمات السهلة أو انتشار اللسعات من دون سبب واضح.
نزيف الأنف أو اللثة.
النزيف الداخلي في المفاصل والذي يسبب ألمًا وتورمًا وصعوبة في الحركة.
نزيف في العضلات أو الأنسجة الرخوة، يؤدي لألم وتورم عميق.
في الحالات الشديدة، قد يحدث نزيف داخل الجمجمة أو الدماغ.
في الأطفال الرضع، قد يظهر النزيف عند الالتصاق أو عند الشق الجراحي في الولادة.
تأخر التئام الجروح أو استمرار النزيف لفترة طويلة.
في النوع الخفيف، قد لا تظهر الأعراض إلا عند التعرض لإصابة كبيرة أو جراحة.
ينتج مرض الهيموفيليا أساسًا عن اضطرابات في عوامل تخثر الدم بسبب أسباب وراثية وجينية، وتشمل ما يلي:
طفرة جينية: الخلل يحدث في الجينات المسؤولة عن إنتاج عوامل التخثر؛ ما يعيق تجلط الدم بشكل طبيعي.
وراثة مرتبطة بالكروموسوم X: معظم الحالات تنتقل عبر نمط وراثة متنحية مرتبط بالكروموسوم X، إذ يظهر المرض لدى الذكور إذا كان كروموسوم X يحمل الطفرة، بينما غالبًا ما تكون النساء ناقلات، وقد تظهر عليهن أعراض خفيفة أحيانًا.
حالات جديدة من دون تاريخ عائلي: في بعض الأطفال تحدث الطفرة بشكل عشوائي، وتمثل نحو ثلث الحالات.
عوامل تؤثر على وظيفة عامل التخثر: بعض الطفرات قد تنتج عامل تخثر غير وظيفي أو قصير العمر أو سريع التحلل.
تأثير عوامل أخرى: العوامل الوراثية قد تتفاعل مع تعديل الجينات أو التعبير الجيني أو عوامل بيئية تؤثر على شدة الأعراض.
الهيموفيليا المكتسبة (Acquired Hemophilia): حالة نادرة تختلف عن الهيموفيليا الوراثية، حيث تتكوّن أجسام مضادة ضد العامل VIII لدى شخص سليم، ما يؤدي إلى نزيف غير متوقع.
إدارة النزيف لدى مرضى الهيموفيليا تتطلب سرعة ودقة، وفيما يلي الخطوات المتبعة عادة:
عند ملاحظة نزيف، يجب تقييم موقع النزيف، ومدى النزف إن كان خفيفًا أم عميقًا أم خطيرًا، والحالة العامة للمريض، سواء كان يعاني من ضغط الدم أو من تغير في العلامات الحيوية.
أول إجراء فعال هو إعطاء العامل المفقود بجرعة كافية لوقف النزيف. يُعطى عادة عن طريق الوريد.
يجب أن يُرفع مستوى العامل إلى النسبة المطلوبة حسب شدة النزيف والموقع عادة يكون بنسبة 30-50% أو أكثر، وقد تصل إلى 100% في النزيف الحاد.
استخدام مضادات النزيف الموضعية أو مخلفات الضغط في حالات النزيف السطحي.
الراحة وتثبيت العضو المصاب مثل وضع الجبائر للمفاصل
وضع الثلج لتقليل التورم إن أمكن
في النزيف الشديد، يمكن إعطاء السوائل أو نقل الدم إذا استدعى الأمر
المراقبة الدقيقة للوضع حتى استقرار النزيف
إذا كان النزيف لا يستجيب أو يقع في مواقع حساسة مثل الدماغ، قد يُلجأ للتدخل الجراحي مع تأمين مستوى مناسب من عامل التخثر قبل، أثناء وبعد الجراحة.
يجب مراقبة المريض لرصد أي استمرار للنزيف، فقر الدم، أو مضاعفات المفاصل أو الأنسجة، كما يُراقب وجود المثبطات التي قد تعيق فعالية العلاج.
في حالات وجود مثبّطات، تستخدم استراتيجيات خاصة مثل علاج التحمل المناعي أو منتجات عوامل التخثر المختلفة.

التطورات في علاج الهيموفيليا كبيرة في السنوات الأخيرة، وتشمل مزيج من العلاجات التقليدية والحديثة:
يُعطى العامل المفقود Factor VIII أو IX من خلال حقن وريدية منتظمة عند النزيف أو للوقاية.
هناك نوعين من منتجات الاستبدال، مستخرجة من البلازما أو منتجات مُصنعة بتقنية إعادة التركيب والتي تكون أقل عرضة للعدوى الفيروسية.
يمكن استخدام الاستبدال كعلاج عند حدوث النزيف أو كعلاج وقائي دائم لتقليل تكرار النزيف والحماية من تلف المفاصل.
في الحالات الشديدة، يُنصح بالبدء المبكر بالعلاج الوقائي لتقليل تلف المفاصل في المستقبل.
في السنوات الأخيرة، ظهرت علاجات جديدة لا تعتمد على إعطاء العامل مباشرة، لكن تُعزز عملية التخثر بطرق أخرى:
الأجسام المضادة مزدوجة مثل Emicizumab التي تربط العامل IXa والعامل X لتفعيل التخثر في الهيموفيليا A.
مثبطات الأنتيثرومبين مثل Fitusiran التي تقلل عمل الأنتيثرومبين لتعزيز التخثر.
منشطات أخرى لمكونات التخثر الطبيعي أو علاج استهدافي يعزز التعبير الوراثي للمريض لعوامل التخثر البديلة.
في مارس 2025، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على علاج جديد يُعطى تحت الجلد كل شهرين لمرضى الهيموفيليا A أو B يُدعى Qfitlia؛ ما يعكس تقدماً في تسهيل العلاج وتقليل الاعتماد على الحقن الوريدية المتكررة.
تعتمد الفكرة على إدخال نسخة سليمة من الجين المعيب إلى خلايا المريض، غالبًا باستخدام الناقل الفيروسي AAV، ليبدأ الجسم في إنتاج العامل بنفسه.
في العام 2022، تم اعتماد أول علاج جيني للهيموفيليا B يُعرف بـ Hemgenix، حيث تلقى بعض المرضى جرعة واحدة أعادت إنتاج العامل IX لمدة طويلة.
كذلك، جرى التقدم في تجارب علاج جيني للهيموفيليا A، لكن التحول الكامل إلى تطبيق واسع ما زال يواجه تحديات مثل استدامة التعبير، الاستجابة المناعية، والتكلفة العالية.
والجدير بالذكر أن العلاج الجيني يقلل من عدد النزيف السنوي وكمية الاستبدال المطلوبة مقارنة بالعلاج التقليدي، لكن تراجع بعض مستويات العامل بمرور الوقت يُعد من التحديات.