تبدو هادئة، منظّمة، تتصرف بشكل مقبول في المدرسة وأمام الآخرين. لا شيء يلفت الانتباه "ظاهرياً"، لكن حين تعود إلى المنزل، تنهار، تبكي من دون سبب واضح، أو تنسحب إلى غرفتها وكأنها تفرّغ طاقة مكبوتة منذ ساعات.
ما لا يراه أحد هو الجهد الهائل الذي بذلته طوال اليوم لتبدو "طبيعية". هذا ما يُعرف بـ"التقنّع" أو Masking، وهو أحد أكثر جوانب التوحد خفاءً لدى الفتيات، وأشدّها تأثيراً على صحتهن النفسية.
وفهم هذه الظاهرة ليس ترفاً معرفياً، بل هو الخطوة الأولى نحو رؤية ابنتكِ كما هي؛ لا كما تحاول أن تبدو.

في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون والمختصون يُدركون أن التوحد لدى الفتيات يظهر بصورة مختلفة عمّا اعتدنا عليه. وفي قلب هذا الفهم الجديد تقف ظاهرة "التقنّع" وهي العملية اليومية التي تلجأ إليها كثير من الفتيات المشخّصات بالتوحد لإخفاء سماتهن والاندماج في محيطهن.
في هذا المقال، نستعرض ما هو التقنّع، وكيف يظهر، ولماذا يهمّ كل أم أن تعرف عنه.
في كثير من الحالات، لا يظهر التوحد بالصورة النمطية التي يتوقعها البعض. ليس لأن السمات غير موجودة، بل لأن عددًا من ذوي التوحد يتعلمون إخفاءها أو تعديلها بشكل متواصل. هذه العملية تُعرف باسم "التقنّع" أو Masking، وهي من أكثر الجوانب تعقيدًا في تجربة التوحد، لأنها لا تكون واضحة للآخرين رغم تأثيرها العميق.
حسب موقع National Autistic Society، فإن التقنع هو أسلوب يتبعه بعض الأفراد من فئة التوحد، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، ليبدوا أقرب إلى السلوك الاجتماعي السائد، بهدف الاندماج وتجنّب الرفض أو الانتقاد.
قد يحدث هذا في المدرسة أو العمل أو داخل المنزل، ولا يقتصر على المواقف الرسمية، بل يمتد إلى التفاعلات اليومية مع الأصدقاء والعائلة.
ويُشار إلى التقنّع أحيانًا بمصطلحات أخرى مثل:
غالبًا ما يتعلّم الأفراد المشخّصون بالتوحد التقنّع عبر الملاحظة الدقيقة. يراقبون سلوك الآخرين، يحللون طريقة التفاعل، ثم يحاولون تقليدها. وقد يحدث ذلك من خلال الواقع أو عبر مشاهدة التلفاز والأفلام وقراءة الكتب.
هذه العملية ليست تلقائية، بل تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا، لأن ما يأتي بشكل طبيعي لدى الآخرين يحتاج إلى وعي وتحليل مستمر لدى الشخص الذي يتقنّع.
التقنّع لا يعني تغيير تصرف بسيط، بل قد يشمل تعديلًا واسعًا في طريقة التعبير والسلوك، مثل:
بمعنى آخر، التقنّع قد يصل إلى محاولة إعادة تشكيل طريقة التفاعل بالكامل بما يتوافق مع ما يُعتبر "مقبولًا" اجتماعيًا.

الأسباب متعددة، وغالبًا ما ترتبط بتجارب اجتماعية مبكرة، منها:
في كثير من الحالات، يتلقى الطفل رسالة مبكرة بأن طريقته الطبيعية في التفاعل غير مقبولة، فيبدأ تدريجيًا بتعديل نفسه لينال القبول.
لا توجد أرقام دقيقة حول مدى شيوع "التقنّع"، لأن قياسه معقّد ويختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى. كما لا توجد أدوات تشخيص سريرية مخصّصة له، مما يجعل فهمه يعتمد بدرجة كبيرة على تجربة الفرد نفسه.
وهذا يفسر لماذا قد يُساء فهم كثير من ذوي التوحد، إذ قد يُقال إنهم "لا يبدون كذلك"، في حين أن التقنّع هو ما يخفي السمات.
رغم أن التقنّع قد يساعد في التكيّف، إلا أن له آثارًا واضحة عند استمراره لفترات طويلة، منها:
كثير من الأفراد يصفون التقنّع بأنه يستهلك معظم طاقتهم، وكأنهم يؤدون دورًا طوال الوقت.
يشير بعض ذوي التوحد إلى أن التقنّع قد يكون مفيدًا في مواقف معينة، مثل:
لكن هذه الفوائد غالبًا ما تكون مرتبطة بظروف محددة، وقد تأتي على حساب الراحة النفسية على المدى الطويل.
عندما يستمر الشخص في التقنّع لسنوات، خاصة من دون وعي، قد يجد صعوبة في معرفة ذاته الحقيقية.
هذا شائع بشكل خاص لدى من تم تشخيصهم بالتوحد في سن متأخرة، حيث يكتشفون أنهم اعتادوا تقديم نسخة معدّلة من أنفسهم، مما يخلق تساؤلات عميقة حول الهوية.

بعض الأفراد يحاولون تقليل التقنّع تدريجيًا، خاصة في البيئات التي يشعرون فيها بالأمان. وقد يتضمن ذلك:
لكن هذه العملية تحتاج وقتًا، وقد تكون معقدة، خصوصًا إذا كان التقنّع غير واعٍ.
تشير التجارب إلى مجموعة من الأساليب المفيدة في التعامل مع التقنّع، منها:
الدعم لا يقتصر على الفرد، بل يشمل البيئة المحيطة، مثل:
كلما كانت البيئة أكثر تفهمًا، قلّت الحاجة إلى التقنّع.

في السنوات الأخيرة، بدأ يتغيّر فهمنا لكيفية ظهور اضطراب طيف التوحد لدى الفتيات، بعدما ظلّ لوقت طويل مرتبطًا بصورة نمطية أقرب إلى الذكور. هذا التصوّر الضيق أدى إلى تأخر التشخيص لدى كثير من الفتيات، أو عدم ملاحظته أساسًا، رغم أن الدراسات تشير إلى أن انتشار التوحد لا يختلف جوهريًا بين الجنسين. الفرق الحقيقي يكمن في طريقة التعبير، وكيف تتعامل الفتاة مع بيئتها الاجتماعية.
حسب المقال الذي نشر حول التقنع والبنات المشخصات بالتوحد في موقع Options Autism فإن الفتيات هنّ الأكثر عرضة للتقنع؛ فغالبًا ما تبدو الفتاة من فئة التوحد أكثر هدوءًا وقدرة على الملاحظة مقارنة بغيرها. تراقب من حولها بدقة، وتحاول فهم قواعد التفاعل الاجتماعي من خلال التقليد، وليس بالضرورة من خلال الفهم التلقائي. هذا يجعل سلوكها أقل لفتًا للانتباه، وبالتالي قد تمر الصعوبات من دون ملاحظة واضحة.
في كثير من الحالات، لا تُفسَّر التحديات بشكل صحيح، وقد تُنسب إلى القلق أو الاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، قبل التفكير في احتمال وجود التوحد. هذا التأخر في الفهم ينعكس لاحقًا على الدعم الذي تحتاجه الفتاة في مراحل مبكرة من حياتها.
يُعد "التقنّع" من أبرز الأسباب التي تجعل التوحد أقل وضوحًا لدى الفتيات. وهو سلوك تلجأ إليه بعض الفتيات المشخصات بالتوحد، سواء بوعي أو من دون وعي، بهدف الاندماج وتجنّب الاختلاف.
قد يتخذ التقنّع أشكالًا متعددة، مثل:
ورغم أن هذه الأساليب قد تساعد مؤقتًا على التكيّف، إلا أنها تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة الذهنية، وتجعل التفاعل الاجتماعي مرهقًا على المدى الطويل.

في كثير من الأحيان، تبدو الفتاة "بخير" في المدرسة أو أمام الآخرين، بينما تظهر الضغوط الحقيقية في المنزل. قد تعود وهي في حالة إرهاق شديد.
التقنّع لا يعني أن الفتاة لا تواجه صعوبات، بل قد يكون دليلًا على جهد مضاعف لإخفائها. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الجهد إلى إرهاق نفسي، وشعور بالانعزال، أو فقدان الإحساس بالهوية الحقيقية.
بعض الفتيات يبدأن في التساؤل عن ذواتهن: هل هذا السلوك يعبر عني فعلًا؟ أم أنه مجرد محاولة للقبول؟ هذا الصراع قد يظهر خصوصًا في مراحل المراهقة، حيث تزداد الحاجة إلى الانتماء، ويصبح الاختلاف أكثر حساسية.
يبقى دور الأسرة محوريًا في ملاحظة التفاصيل التي قد لا يراها الآخرون. فالأم أو الأب غالبًا ما يلتقطان التغيّرات اليومية، أو التباين بين سلوك الطفلة في الخارج وداخل المنزل.
ومن الخطوات المهمة:
الفهم المبكر لا يهدف إلى وضع تصنيف بقدر ما يهدف إلى تقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب.
التوحد ليس نمطًا واحدًا، ولا يظهر بالشكل نفسه لدى الجميع. والفتيات من فئة التوحد قد يمتلكن مهارات عالية في مجالات متعددة، إلى جانب تحديات تحتاج إلى احتواء وفهم.
النظر إلى هذه التجربة بوعي مختلف يساعد على تجاوز الصور النمطية، ورؤية الفتاة كما هي، بقدراتها واحتياجاتها معًا. فكلما أصبح الفهم أوسع، زادت فرص الدعم الحقيقي، ووجدت كل فتاة المساحة التي تستحقها لتكون على طبيعتها من دون الحاجة إلى التقنّع.
وكخلاصة، فإن التقنّع ليس مجرد سلوك عابر، بل تجربة يومية يعيشها كثير من ذوي التوحد. قد يساعدهم على التكيف، لكنه قد يستهلك طاقاتهم ويؤثر على إحساسهم بأنفسهم.
فهم هذه الظاهرة يفتح الباب أمام تعامل أكثر وعيًا، ويُسهم في خلق بيئة تسمح لكل شخص أن يكون على طبيعته من دون ضغط مستمر للتغيير.
حين تعرفين أن ابنتكِ تتقنّع، لن تنظري إلى هدوئها بالعين نفسها. ستفهمين أن ما يبدو سلوكاً مقبولاً قد يكون جهداً مضاعفاً لا يراه أحد.