يوافق الأحد، السابع عشر من مايو/أيار، عيد ميلاد "الزعيم" عادل إمام، السادس والثمانين. وبإتمامه عاماً جديداً من عمره الحافل، لا يحتفل الوسط الفني بمجرد ميلاد ممثل قدير، بل بمسيرة وطن وأمة تجسدت في ملامح فنان صاغ ذاكرة الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج على مدار أكثر من ستين عاماً من العطاء المستمر.
ولد عادل محمد إمام محمد بخاريني يوم 17 مايو/أيار 1940 لأسرة فلاحية بسيطة في حي السيدة عائشة بالقاهرة، فيما تعود الجذور العميقة لعائلته إلى قرية شها بمركز المنصورة في محافظة الدقهلية.
نشأ إمام في كنف والد متدين عمل "شاويشاً" في سلك الشرطة، الذي غيّبه الموت عام 1997 بعد صراع مرير مع مرض آلزهايمر، كما تأثر النجم الشاب بشدة بوالدته ورحيلها. تنقل عادل برفقة أسرته في طفولته بين أحياء السيدة عائشة، ثم الحلمية، والعمرانية بالجيزة، وصولاً إلى المهندسين والمنصورية.
تلقى عادل إمام تعليمه في مدرسة الحلمية، ثم مدرسة بنباقدان الثانوية، والمدرسة الثانوية المرقصية بالإسكندرية، قبل أن يلتحق بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، حيث زامل في تلك الدفعة الممثل الراحل صلاح السعدني ورئيس وزراء سوريا السابق محمود الزعبي، وهناك نال درجة البكالوريوس، ولكن الأهم أنه عثر على شغفه الحقيقي على خشبة مسرح الجامعة.
لم يكن طريق نجومية عادل إمام فروشاً بالورد، ففي عام 1963، وهو في السنة الثالثة بالجامعة، تقدم النجم الشاب لمسابقة طلب فيها الفنان فؤاد المهندس وجهاً جديداً لمسرحية "أنا وهو وهي". ومن بين 90 ممثلاً تقدموا للمسابقة، اقتنص عادل إمام الفرصة ليلفت الأنظار بقوة، وتبدأ رحلة سينمائية غزيرة شهدت تقديم أدوار تمزج الكوميديا بالرومانسية والإثارة مثل "مراتي مدير عام" (1966)، "كرامة زوجتي" (1967)، "عفريت مراتي" (1968)، و"لصوص لكن ظرفاء" (1968)، مستعرضاً طاقة فنية هائلة تجلت في تقديم 5 أفلام في عام 1970 وحده، و7 أفلام في عام 1971.
جاء منتصف سبعينيات القرن العشرين ليعلن الانفجار الحقيقي لشهرة عادل إمام الصارخة، وتحديداً عام 1973 عندما جسد شخصية "بهجت الأباصيري" في المسرحية الأسطورية "مدرسة المشاغبين"، ليعتلي بعدها منصة البطولة المطلقة التي استحقها بعد عقد كامل من العمل الشاق. توالت بعدها روائعه السينمائية التي صاغت مفهوم "سينما التذاكر الأعلى مبيعاً"، ومن أبرزها "البحث عن فضيحة"، "عنتر شايل سيفه"، و"البحث عن المتاعب".
ولم تقتصر أعماله على الضحك الساخر، بل دشّن مرحلة سياسية حادة وجريئة عبر فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، تلاه الفيلم الجماهيري المدوّي "رجب فوق صفيح ساخن" (1979)، لتنطلق مرحلة السيطرة المطلقة في الثمانينيات والتسعينيات، إذ تربع إمام على قمة الإيرادات بلا منازع، متفوقاً على أبناء جيله، ومقدماً أعمال أكشن وإنتاجات ضخمة مثل "النمر والأنثى"، "المولد"، و"حنفي الأبهة".
مع مطلع التسعينيات، أخذت أعمال عادل إمام صبغة سياسية واجتماعية بالغة العمق والجرأة، عكست هموم وأزمات رجل الشارع العربي، فقد شكّل مع السيناريست وحيد حامد والمخرج شريف عرفة جبهة سينمائية لا تُقهر. وتناولت أعماله قضايا شائكة أثارت ضجة وجدلاً واسعاً، من نقاش الأزمات العربية، إلى مواجهة الفكر المتطرف.
وفي السنوات الأخيرة، حصد إمام إشادات نقدية دولية هائلة عن تجسيده شخصية "زكي الدسوقي" في الفيلم الملحمي "عمارة يعقوبيان" الذي عُرض في مهرجان تريبيكا بنيويورك، متبوعاً بروائع مثل "مرجان أحمد مرجان"، "حسن ومرقص" مع العالمي عمر الشريف، و"بوبوس" مع يسرا، وصولاً إلى فيلم "زهايمر" (2010) الذي واصل فيه نهجه في دعم الوجوه والمواهب الجديدة مثل نيللي كريم.
خلف كواليس الفن، أسس عادل إمام حياة أسرية مستقرة ومتماسكة عقب زواجه بالسيدة هالة الشلقاني، الذي أثمر عن ثلاثة أبناء يسيرون على خطى النجاح: المخرج رامي إمام، والفنان محمد إمام، وابنته سارة إمام.
امتداده العائلي إلى ثمانية أحفاد (عادل، عز الدين، رقية، هالة، كاميليا، أمينة، خديجة، قسمت). وتتشابك عائلته مع الفن، فشقيقه هو المنتج عصام إمام، ولديه شقيقتان هما إيمان (زوجة الفنان الراحل مصطفى متولي صهر الزعيم) ومنى.
وعلى الصعيد الإنساني، فقد وصف الزعيم في حديثه التاريخي مع الإعلامية هالة سرحان رفيقي عمره الراحلين سعيد صالح وصلاح السعدني بأنهم "رفاق السلاح"، لافتاً إلى أن صداقتهم المتينة سبقت دخولهم عالم الأضواء والتمثيل، فقد شكّل مع سعيد صالح ثنائية تاريخية، إلى جانب ثنائيات متميزة مع أحمد راتب، يوسف داوود، سعيد طرابيك، خالد سرحان، ضياء الميرغني، النجمتين لبلبة ويسرا.
تحول عادل إمام عبر العقود إلى أيقونة ثقافية حية تجاوزت الشاشات، لتصبح لزاماته الكلامية وجمله الشهيرة جزءاً لا يتجزأ من التعبيرات اليومية والثقافة الشعبية للمواطن العربي، فضلاً عن غزو لقطات أعماله لعالم الإنترنت عبر "الميمز" (Memes) الكوميدية ورسومات الدفاتر.

لم تكن مكانة إمام فنية فحسب، بل امتدت للمجالين السياسي والإنساني العالمي، ففي يناير/كانون الثاني عام 2000 عُيّن رسمياً سفيراً للنوايا الحسنة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (UNHCR). وتكللت هذه المسيرة الممتدة بتركيبة فريدة من الأوسمة والجوائز الدولية الكبرى، ومن أبرزها:
وأعلن المخرج رامي إمام قبل أشهر قليلة أن "الزعيم" اتخذ قراره النهائي والقطعي باعتزال الفنون تماماً، مفضلاً التفرغ الكامل للحياة الأسرية، والابتعاد عن صخب المشاركات الفنية والبلاتوهات، ليقضي وقته بين أبنائه وأحفاده، تاركاً خلفه إمبراطورية إبداعية عصية على النسيان أو التكرار.