ربما حدث هذا معكِ من قبل: تجلسين بجانب شخص لا تعرفينه في رحلة طويلة، أو تنتظران معاً في طابور، فتبدأ محادثة عابرة تتحوّل فجأة إلى حديث صادق لم تجري مثله مع أشخاص تعرفينهم منذ سنوات.
تنهضين وأنتِ تشعرين بخفّة غريبة، كأنكِ أفرغتِ شيئاً كان ثقيلاً.
ما الذي يحدث في هذه اللحظات؟ ولماذا يرتاح الإنسان أحياناً لمن لا يعرفه أكثر مما يرتاح لمن يحبّه؟

في دراسة نُشرت في دورية Journal of Experimental Psychology: General، أجرى الباحث نيكولاس إيبلي، أستاذ علم النفس في كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو، وزميلته جوليانا شرودر، سلسلة من تسع تجارب ميدانية ومخبرية على ركاب القطارات والحافلات، وتوصّلا إلى نتائج تكشف كيف يُساء فهم الطبيعة البشرية الاجتماعية يومياً.
الإجابة الأولى مخبّأة في مكان بسيط: الغريب لا يحمل تاريخكِ.
حين تتحدثين لصديقة قريبة أو فرد من العائلة، يتسلّل من دون أن تشعري إحساسٌ خفي بالمراقبة. أنتِ تعرفين أنهم يحتفظون بصورة عنكِ، صورة تخشين أن تزعزعيها. أما مع الغريب، فلا توقعات مسبقة ولا أحكام جاهزة؛ ما يتيح مساحة للتعبير بصدق أكبر.
ثمة عامل نفسي آخر لا يقل أهمية: أنتِ لن تريه غداً.
هذا الوعي بأن اللقاء مؤقت يخلق ما يشبه منطقة آمنة. الحدود واضحة، والتفاعل له نهاية معروفة؛ ما يخفّض الخطر الاجتماعي ويشجع على الانفتاح. تستطيعين أن تكوني صادقة من دون أن تحملي تبعات هذا الصدق في كل لقاء قادم.
هنا تأتي النتيجة الأكثر إدهاشاً في دراسة إيبلي وشرودر. بحسب الباحثَين، طُلب من ركاب القطارات إما التحدث مع غريب مجاور، أو الجلوس في عزلة تامة. النتيجة: من تحدّثوا أفادوا بتجربة أكثر إيجابية وسعادة، رغم أن معظمهم توقّعوا العكس تماماً قبل بدء الرحلة.
والمفارقة الأعمق بحسب إيبلي، أن المشاركين لم يقلّلوا فحسب من متعة الحديث مع الغرباء، بل أخطأوا في تقدير اهتمام الآخرين بهم أصلاً؛ وهو ما يسميه علماء النفس "فجوة الإعجاب"، أي ميلنا إلى الاعتقاد بأننا أقل جاذبية اجتماعية مما نحن عليه في الواقع.
إذا كانت محادثة الغريب تُسعدنا فعلاً، فلماذا نتجنّبها؟
بحسب الدراسة، نحن نبالغ في توقّع الإحراج وتقليل قيمة التواصل العابر؛ هذا الوهم يكلّفنا لحظات من الراحة الحقيقية كان يمكن أن نعيشها يومياً. الباحث إيبلي يصف هذا بـ"سوء فهم عميق للطبيعة الاجتماعية للإنسان."
الراحة مع الغرباء لا تعني أن علاقاتنا القريبة ناقصة، بل تعني أن الإنسان كائن اجتماعي متعدد الأبعاد. ما يمنحنا إياه الغريب مختلف عمّا يمنحنا إياه المقرّب: منظور جديد، وأذن لا تحمل عنّا تاريخاً، وشعور بأننا "مرئيون" في لحظة بعينها من دون ثقل التوقعات المشتركة.
في المرة القادمة التي تجلسين فيها بجانب غريب وتشعرين بميل غريب للحديث، ربما لا يكون الأمر مصادفة. ربما هو إنسان يحتاج أن يُسمع، وأنتِ الشخص المناسب لأنكِ لا تحملين عنه أي توقعات، تماماً كما يفعل هو معكِ.