السؤال قديم ومتجدد في الوقت ذاته: هل يمكن للمرأة والرجل أن يكونا صديقَين حقيقيَّين؟
تجيب الأعراف الاجتماعية بالشك، وتُجيب التجربة الشخصية بالتباين، والأبحاث تقول شيئاً أكثر تعقيداً ودقة من الإجابتَين معاً.
لأن الأمر ليس ببساطة نعم أو لا. هو سؤال عن طبيعة التواصل الإنساني، وكيف يختلف الرجل والمرأة في فهم العلاقة ذاتها.

بحسب الباحثة هايدي ريدر، أستاذة الاتصالات في جامعة بويز ستيت، في دراسة نشرتها عام 2016 في دورية Sexuality and Culture، فإن النساء يميلن إلى تصنيف صداقتهن مع الرجال باعتبارها علاقة أخوية، في حين يصنّفها الرجال غالباً بـ"مجرد صداقة".
والمفاجئ في النتيجة أن كلا التصنيفَين ارتبطا بمستوى عالٍ من الرضا عن الصداقة، مما يعني أن الصداقة بين الجنسَين ممكنة وحقيقية، حتى حين يُفسّرها كل طرف بطريقة مختلفة.
وما يدعم هذا التوجه أن الصداقات بين الجنسَين باتت أكثر انتشاراً من أي وقت مضى. بحسب بيانات نشرتها Scientific American، فإن دراسة أُجريت عام 2012 على طلاب جامعيين كشفت أن ما يقارب جميعهم لديهم أصدقاء من الجنس الآخر، مقارنةً بعام 1985 حين وجدت دراسة مماثلة أن أقل من 4% من كبار السن كان لديهم أصدقاء من الجنس الآخر. فالتحول واضح وعميق.
لكن الأبحاث لا تتجاهل التعقيد الحقيقي في هذه الصداقات. بحسب دراسة أجراها الباحثان بليسكي وباس عام 2000 على مجموعة من الراشدين، كان الرجال أكثر ميلاً لرؤية الجاذبية الرومانسية المحتملة في الصداقة باعتبارها إيجابية، في حين رأتها النساء في معظمهن سلبية. والنتيجة المثيرة أن الرجال أفادوا بمعدل ضعف ما أفادت به النساء.
هذا الفارق في التصوّر لا يعني أن الصداقة مستحيلة، لكنه يعني أن الطرفَين قد يكونان يعيشان تجربتَين مختلفتَين داخل العلاقة ذاتها، من دون أن يدرك أي منهما ذلك.
الصداقات النسائية تقوم في جوهرها على التواصل العاطفي، الحوار العميق، ومشاركة التفاصيل. في المقابل، تميل الصداقات بين الرجال إلى التشارك في الأنشطة أكثر من التشارك في المشاعر، مما يجعلها أقل هشاشةً لكن أقل حميميةً.
وحين يلتقي النمطان في صداقة مختلطة، تحمل المرأة غالباً توقعاً بالعمق العاطفي، والرجل توقعاً بالاسترخاء من دون ثقل انفعالي، هذا الفارق وحده كافٍ لخلق سوء فهم متكرر لا علاقة له بالجاذبية أصلاً.
الأبحاث تُشير إلى أن الصداقات المختلطة الأكثر نجاحاً هي تلك التي يكون فيها الطرفان واضحَين بشأن طبيعة العلاقة، ويمتلكان وعياً كافياً بتوقعات كل منهما. الغموض هو ما يُعقّد الأمور، لا الصداقة في حد ذاتها.
بحسب ريدر، فإن القدرة على التمييز بين المشاعر الرومانسية والصداقة الحقيقية ممكنة، لكنها تتطلب وعياً ذاتياً واضحاً من الطرفَين.
الصداقة بين المرأة والرجل ليست أسطورة، لكنها ليست بسيطة. هي علاقة حقيقية تحتاج إلى وضوح أكثر مما تحتاج إلى تشكيك. وحين يفهم كل طرف ما يحمله إلى هذه العلاقة وما يتوقعه منها، تصبح من أكثر الصداقات ثراءً وإثراءً.