لم يعد الحديث عن السيارات الكهربائية جديداً، فقد تحولت من فكرة ثورية إلى واقع يملأ الشوارع حول العالم.
ولأنها وُلدت من رغبة جماعية في حماية البيئة والتخفيف من الاعتماد على النفط، تبناها كثيرون كرمز للوعي البيئي والتقدّم المستدام.
لكن مع الوقت، بدأت الصورة الوردية تتكشف عن زوايا أكثر تعقيداً مما توقّعنا.

رغم كل الوعود التي حملتها السيارات الكهربائية، إلا أن دراسات حديثة بدأت تثير تساؤلات حول تأثيرها الصحي المحتمل. دراسة أجراها المكتب الفيدرالي الألماني للحماية من الإشعاع كشفت أن التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية (EMF) داخل هذه السيارات قد يكون أعلى مما يُعتقد.
شملت الدراسة أكثر من مليون قياس لمستويات المجالات المغناطيسية في 13 مركبة مختلفة، من بينها سيارات كهربائية وهجينة قابلة للشحن.
وجاءت النتائج مثيرة للانتباه: مستويات الإشعاع داخل المقصورة تراوحت بين 2 و10.5 ميكروتسلا أثناء القيادة العادية، أي ما يفوق المعدلات الآمنة بنحو 25 مرة مقارنة بالحدود التي تبدأ عندها المخاطر الصحية وفق الدراسات السابقة.
للتوضيح، تشير الأبحاث إلى أن التعرض المزمن لمستويات تبدأ من 0.3 إلى 0.4 ميكروتسلا قد يرتبط بأمراض مثل سرطان الدم لدى الأطفال، الزهايمر، التصلب الجانبي الضموري (ALS) وحتى الإجهاض.
أما في الدراسة الألمانية، فقد قفزت المستويات إلى أرقام مذهلة أثناء التسارع أو الكبح، وصلت إلى 900 ميكروتسلا في بعض الحالات.
حتى عند توقف السيارة، ومع بقاء الأنظمة الذكية قيد التشغيل – مثل التدفئة، المراوح أو نظام الترفيه – ظل المجال المغناطيسي مرتفعاً إلى حدود 100 ميكروتسلا.
لا يعني ذلك بالضرورة أن السيارات الكهربائية خطر مباشر، لكنها تذكير مهم بأن كل تكنولوجيا جديدة تحمل وجهي العملة. فالانتقال نحو مستقبل أكثر استدامة يجب ألّا يغفل الجوانب الصحية التي قد تظهر لاحقاً مع الاستخدام المكثف لهذه التقنيات.
يبقى القرار في النهاية شخصياً، يعتمد على نظرتكِ للأولويات: هل تفضلين المساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية رغم هذه التحذيرات، أم تميلين إلى التريّث حتى تتضح الصورة أكثر؟
الوعي هو الخطوة الأولى دائماً. فاختيارك القادم للسيارة، أياً كان نوعها، يستحق أن يُبنى على معرفة متكاملة تجمع بين حب البيئة وحرصك على صحتك وسلامة عائلتك.