يلاحظ في الفترة الأخيرة، تصاعد لافت في حدة التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً تجاه المشاهير، بحيث لم يعد أي تصرّف (سواء كان شخصياً أو مهنياً) يمرّ دون أن يتحوّل بسرعة إلى موجة من الانتقادات وأحياناً التنمّر. اللافت في هذا السياق أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بسبب محدد أو خطأ واضح، بل أصبح المشهور عرضة للهجوم في مختلف الحالات، وكأن هناك حالة ترصّد دائمة لأي تفصيل في حياته اليومية.
وفي محاولة لفهم الأبعاد النفسية لهذا السلوك، قدّمت اختصاصية علم النفس إيلا إيمانويل قراءة تحليلية خاصة لموقع "فوشيا" تستند إلى مجموعة من النظريات والآليات النفسية والاجتماعية التي تفسّر هذا النمط المتصاعد من التفاعل العدائي.

تشير اختصاصية علم النفس إيلا إيمانويل، إلى أن هناك ثلاث أفكار أساسية في علم النفس الاجتماعي تساعد في تفسير الهجوم المستمر على المشاهير:
بحسب هذه النظرية، عندما يرى الفرد حياة المشاهير على أنها "مثالية"، يتولد لديه شعور بالنقص أو عدم الرضا عن الذات، هذا الشعور قد يدفعه إلى التهجم على المشهور، كنوع من إعادة التوازن النفسي، بحيث يبدأ الفرد بإقناع نفسه بأن "الآخرين ليسوا أفضل منه"، بل قد يعتبرهم أقل قيمة.
توضح هذه الفكرة أن الفرد عندما يعيش تراكمات يومية من ضغوط اقتصادية أو اجتماعية أو مهنية، يبحث عن منفذ آمن لتفريغ هذه الشحنة من العدوانية. وهنا يتحول المشهور إلى "هدف سهل"، يمكن تفريغ الغضب عليه دون خوف من ردّ أو انتقام مباشر.
تشير الفكرة الثالثة إلى أن بعض الأفراد يشعرون بأنهم غير قادرين على تحقيق ما يحققه المشاهير من نجاح أو ظهور أو تأثير؛ ما يخلق حالة من التنافر النفسي بين "ما أريده" و"ما لا أستطيع تحقيقه"، هذا التوتر يتم تخفيفه عبر التقليل من قيمة المشهور أو مهاجمته بشكل مستمر.
تضيف اختصاصية علم النفس إيلا إيمانويل، أن هذا السلوك لا يُفهم فقط عبر النظريات، بل أيضاً من خلال مجموعة من الآليات النفسية:
يقوم الفرد بإسقاط عيوبه أو صفاته التي لا يتقبلها على المشاهير، مثل الغرور أو التصنّع أو المبالغة، كما قد يُسقط غضبه المكبوت على شخصيات عامة بدل مواجهته في محيطه الحقيقي، مثل المدير أو الأب، فيصبح المشهور "رمزاً بديلاً" لتفريغ هذا الغضب.
كذلك يتم إسقاط رغبات مكبوتة أيضاً، حيث يرى البعض أن المشاهير يمثلون ما يتمنّونه في حياتهم؛ ما يعزز لديهم مشاعر الغضب أو التناقض.
في حالات الشعور بانعدام التأثير أو أن الصوت غير مسموع، يمنح التعليق العدواني شعوراً مؤقتاً بالقوة، كما أن الانخراط في هجوم جماعي يخلق إحساساً بالانتماء، وهو شعور قد يكون مفقوداً لدى البعض في حياتهم الواقعية.
تصف هذه الآلية التعليقات السلبية بأنها وسيلة لتفريغ الإحباطات، حيث يتم التعامل مع المشهور وكأنه هدف للتفريغ (punching bag)، يتم إسقاط المشاكل الشخصية عليه دون وجود عواقب مباشرة.
تعتبر اختصاصية علم النفس إيلا إيمانويل، أن "إزالة الإنسانية" هي محور أساسي لفهم الظاهرة، فالمشهور في الفضاء الرقمي لم يعد يُنظر إليه كإنسان معقد لديه مشاعر وحدود، بل يتم اختزاله إلى صفة أو صورة أو ترند.
قد يُوصف بأنه "مستفز"، "مصطنع"، أو "مغرور"، ومع هذا الاختزال يُفترض أنه لا يمتلك مشاعر أو حقا في التأثر؛ لأنه مشهور، هذا الفصل بين الفعل والإنسان يؤدي إلى تراجع الحس الأخلاقي، بحيث يصبح الهجوم مقبولاً اجتماعياً، خاصة في ظل غياب رؤية نتائج هذا العنف على الضحية، وبذلك يتحول المشهور إلى مساحة مفتوحة لإسقاط العدوان، دون إدراك لحدود الأذى النفسي.
ترى اختصاصية علم النفس إيلا إيمانويل، أن هذه الظاهرة ليست منفصلة عن بنية وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، والتي ساهمت في تطبيع هذا السلوك عبر عدة عوامل:
إخفاء الهوية على الإنترنت يقلل من مستوى التعاطف ويزيد من الجرأة في التعبير العدواني، حيث يشعر المستخدم أنه غير مرئي ولا يمكن محاسبته.
في الماضي، كانت مثل هذه التعليقات تُقال في نطاق ضيق أو خاص، أما اليوم فقد أصبحت معياراً اجتماعياً شائعاً؛ لأن "الجميع يفعل ذلك"، مما يجعل السلوك أكثر قبولاً وانتشاراً.
تعمل المنصات على تعزيز المحتوى الذي يخلق جدلاً وانفعالات قوية؛ لأن ذلك يزيد من التفاعل؛ ما يؤدي إلى تضخيم المحتوى العدائي وتحويله إلى ترند.
تشير القراءة النفسية إلى أن صناعة المحتوى أصبحت مرتبطة بشكل كبير بثقافة الجدل، فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الانقسام يحظى بانتشار أكبر؛ ما يدفع البعض إلى إنتاج أو تكرار هذا النوع من الخطاب.
هذا النمط المستمر من التفاعل السلبي يؤدي إلى:
كما يتحول هذا السلوك مع الوقت إلى نوع من "الإدمان الانفعالي"، خصوصاً مع تكرار مشاهدة ردود الفعل السلبية.
لا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الجمهور، بل تمتد إلى صناع المحتوى والمشاهير أنفسهم، حيث قد يواجهون:
وقد يصل الأمر إلى نوع من الاغتراب عن الذات بسبب الضغط المستمر من التقييم العام.
تخلص أخصائية علم النفس إيلا إيمانويل، ظاهرة الهجوم على النجوم، بأنها ليست مجرد مشكلة تخص المشاهير، بل هي انعكاس لحالة جماعية أوسع من الشعور بالعجز، والحاجة إلى الانتماء، وغياب الإنجاز الشخصي، في ظل هذا الفراغ، تتحول الشخصيات العامة إلى "مساحة تفريغ" للغضب والإحباطات، وتصبح وقوداً لتضخم خطاب عدائي متصاعد على المنصات الرقمية.
وتؤكد أن فهم هذه الظاهرة يتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الفرد، والفضاء الرقمي، والقيم الاجتماعية التي يتم إعادة إنتاجها يومياً عبر مواقع التواصل.