رحل عن عالمنا العازف والملحن السوري نزيه أبو الريش مؤسس "مدرسة العود السورية"، بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع، أثرت الساحة الفنية السورية بأسلوب مميز وبصمة خاصة، حيث تعاون مع عدد كبير من الفنانين وشارك في العديد من الحفلات والفعاليات التي رسّخت اسمه في الوسط الفني.
نعت نقابة الفنانين السوريين – فرع دمشق – الراحل في بيان رسمي جاء فيه: تعازينا القلبية بوفاة الفنان نزيه أبو الريش.. وإنا لله وإنا إليه راجعون. وأثار خبر الوفاة حالة من الحزن العميق في الأوساط الفنية والثقافية، حيث سارع زملاؤه ومحبوّه إلى التعبير عن صدمتهم، مشيدين بأخلاقه، وتواضعه، وموهبته الاستثنائية التي ظلّت حاضرة في أعماله حتى سنواته الأخيرة.
قبل أيام قليلة فقط، طمأن أبو الريش جمهوره بنفسه بعد انتشار شائعة حول وفاته، وكتب عبر صفحته على "فيس بوك": مُفتَعِلُ الإشاعة هو شخص شرير أكثر من مضمون الإشاعة نفسها.
كلماته آنذاك بثّت الطمأنينة في قلوب محبيه، الذين تمنّوا له دوام الصحة، وكتب أحدهم: قديش رح ننبسط إذا رجعنا نشوفك عم تعزف وتبدع، من كل قلبي بتمنى أرجع شوفك. لكن المفارقة أن الشائعة تحوّلت إلى حقيقة مؤلمة بعد أيام قليلة، لتخيم أجواء الفقد على محبيه داخل سوريا وخارجها.
وُلد نزيه أبو الريش في محافظة اللاذقية الساحلية، وبدأ رحلته مع آلة العود في سن الخامسة، مدفوعًا بشغف مبكر بالموسيقى. ولم تقتصر اهتماماته على المدرسة الشرقية التقليدية، بل انفتح على أنماط موسيقية عالمية، من الفلامنكو إلى الجاز والبلوز والموسيقى الهندية، ما أضفى على تجربته بعدًا فنيًا متنوعًا انعكس بوضوح على أسلوبه في العزف.
هذا التنوع الثقافي مكّنه من تطوير لغة موسيقية خاصة، تجاوزت القوالب الكلاسيكية للعود، وأدخلت عناصر جديدة على الأداء التقليدي، فتميّز بأسلوب مبتكر جعله محل تقدير النقاد والجمهور على حد سواء.
في الثالثة عشرة من عمره، التحق بعدد من الفرق الموسيقية، وبرز سريعًا كعازف متمكن يمتلك حسًا فنيًا لافتًا قياسًا بسنّه. ومع مرور السنوات، رسّخ حضوره في الوسط الموسيقي السوري والعربي، بفضل اجتهاده الدائم وحرصه على التجديد وتطوير أدواته، ليصبح أحد الأسماء المؤثرة في مشهد العود المعاصر.
عام 2005، أطلق مشروعه التعليمي بتأسيس “مدرسة العود السورية” في اللاذقية، واضعًا نصب عينيه نقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، واستقطبت المدرسة عددًا كبيرًا من عشاق الموسيقى، وخرّجت أكثر من مئة طالب أصبحوا اليوم موسيقيين محترفين يعملون في فرق ومؤسسات فنية مختلفة، ما جعل من التجربة محطة محورية في مسيرته المهنية.
في عام 2016، انتقل أبو الريش إلى مدينة مونتريال الكندية، حيث واصل نشاطه الفني، متعاونًا مع موسيقيين من خلفيات متنوعة في تجارب موسيقية عابرة للثقافات، وأسهم من خلال حفلاته ومشاركاته في الفعاليات الدولية في تقديم صورة مشرقة عن الموسيقى السورية، وتعريف جمهور جديد بثرائها وتقاليدها العريقة.