يواصل نقاد الفن والموسيقى تحليل أحدث أعمال "القيصر" كاظم الساهر "متى؟"، التي أطلقها أخيراً باللهجة العراقية المحكية من كلماته وألحانه وتوزيع موسيقي لهشام نياز وإيقاعات عراقية لصفاء غريب.
وأغنية "متى؟"، تأتي تمهيداً لإصدار "القيصر" لألبومه الجديد الذي أعلن اكتمال جميع أغانيه التي ستكون باللهجة العراقية، وسيصدر خلال أسابيع قليلة.
يرى الناقد الفني اللبناني عبد الغني طليس أن النجم كاظم الساهر في أغنية "متى؟" يواصل تجربته المتفردة التي تضعه في مصاف فني خاص به وحده، مؤكداً أن من حق الفنان المتنوع غناء وتلحيناً وأحياناً كتابةً، مثل كاظم الساهر، أن يمارس قناعاته في نوعية ما يقدّم من الأغاني، فإذا رغِب بعميق الكلمات، وخصب الموسيقى، وجميل الأداء فعَل ذلك مطمئناً إلى جمهوره وناشداً اكتساب جمهور أكبر، وكذلك إذا رغِب ببسيط الكلمات واللحن والأداء أن يقدّم ذلك.
ويرى الناقد الموسيقي طليس، في منشور له عبر صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك"، أن المشكلة تقع عندما يتوقّع الجمهور أن يقدم أغنية على مقاس بعض أغانيه المحبوبة والمرغوبة عند الجمهور، فيقدم أغنية من نوع آخَر، تثير مفاجأة.
وقال: قد يكون كاظم الساهر أحد أبرز وأبرع نجوم الغناء العرب في تنويع مكتبته الغنائية، ونتاجه الجديد "متى؟" يصبّ في هذه الخانة. كلامها أيضاً لكاظم وباللهجة العراقية المحلية، ولحنها من مقام "الحجاز" العراقي "جداً"، أي الذي يحمل الشجن المعروف في الغناء العراقي الشعبي "جداً".
وأضاف: ما المانع في ذلك؟ أسأل سؤالي للذين كانوا يتوقعون جديداً له ينسجم مع الشائع من أعماله باللغة العربية الفصحى.
ويبين طليس: ليس مسؤولاً كاظم الساهر عما يتوقّع الجمهور عامةً منه. هو يقدّر ما يفكّر به، وينتج. وعلى الجمهور أن يناقش العمل الغنائي بذاته، لا ما يتمناه من النجم. وأغنية "متى" هي محاولة في الكلمات واللحن، والإيقاع، وأداء كاظم، لطرح جديد يستعيد فيه النجم غناءَ بلده ولهجة بلده وموسيقى بلده، ولمَ لا جمهور بلده!
يبين الناقد الفني اللبناني جمال فياض أن النجم كاظم الساهر في أغنية "متى؟" يؤكد ريادته في صون الهوية الموسيقية الرافدية، ويقول: يُطلّ الفنان القدير كاظم الساهر بعمله الجديد "متى كتاب الحزن يخلص..."، ليعيد تقديم لون غنائي عراقي اشتاق إليه الجمهور، هو لون الشجن العراقي الدافئ الأصيل، ولكن برؤية موسيقية غنائية تعكس نضجاً ووعياً راسخاً في التعامل مع الموروث الشعبي. والأغنية، التي تحمل توقيع كاظم كلاماً ولحناً، وهشام نياز توزيعاً، تُمثّل المحطة الأولى وربما الأبرز لألبومه العراقي الكامل المرتقب، الذي يأتي بعد ألبوم "مع الحب" الذي صدر عام 2024.
يواصل فياض شرح تفاصيل أغنية الساهر: استهلّ الساهر عمله بذكاء أدبي لافت، إذ ارتكز على شعر "الأبوذية"، أحد أبرز ألوان الشعر الشعبي العراقي وأكثرها عمقاً وتأثيراً، وهو ما يعرفه كثيرون أيضاً بمسمى "الزهيري" أو "الموال السبعاوي". وتتجلى في هذا النص براعة الجناس اللفظي التام في قفلات الأشطر الثلاثة الأولى، حيث تتوحد الألفاظ في مبناها وتختلف في معناها بعمق تعبيري لافت:
مَتى كِتاب الحِزْن يَخْلَصْ وأسْكِرَه (أي: أُغلقه).
قَلْبٌ ذايِب قَهْر والروُح سَكْرَه (من الثَّمَل أو غمرة الوجع).
أدَوِّخ القَلْب بْغِيابَك وأسْكِرَه (من الغياب عن الوعي).
وأقُولَه حَبَيِّبِي وما يَخُون بِيَّ...
هذا الفن الشعري، نعرفه أيضاً في لبنان ومصر، وهو يقوم على توحيد القافية بكلمة ذات معانٍ مختلفة.
هذا التكثيف الشعوري والتلاعب الدلالي بالحروف والمعاني وضعا الأساس المتين لبناء لحني يحمل سرّ البصمة الساهرية الخالصة. أما التوزيع الموسيقي فقد أُسند إلى الموسيقي هشام نياز، الذي تولّى صياغة الرؤية الأوركسترالية بأمانة وإبداع جميل ومختلف، حافظ على الروح الشرقية وهيبتها التعبيرية. وإذا كان نياز شخصية لا تهوى الظهور الإعلامي، فأعماله لعدد من كبار الفنانين تتحدث عنه، ونكتشفه رغم محاولات التخفّي.
يقول الناقد فياض عن موسيقى لحن أغنية "متى؟"، مفصلاً:
الهيكل المقامي: رحلة بين الحجاز كار، والحجاز غريب (في الختام)، وهو ما ينسب العمل إلى عائلة المقامات الشرقية الرصينة التي وُظّفت تاريخياً لخدمة النص الحزين الباحث عن العتاب والوجع. أغلب الإذكارات الدينية -العاشورائية- العراقية، تخرج من هذا المقام. واستقر خيار الساهر التلحيني، مرتكزاً على مسحة الوجد والانتظار. غير أن اللحن لم يقف عند رتابة المسار الواحد، فقد استغل كاظم مساحاته الصوتية في جوابات الموال، لينتقل بسلاسة مدهشة نحو ذروة الغناء، لتبدو بوضوح لوعة "القلب العاشق والمتيّم"، قبل أن يستقر في بعض القفلات الفرعية على "الحجاز غريب" الذي يضفي الدفء الشرقي الحزين على الكلمات والأداء معاً. وهذا التنقل المقامي المحسوب منح الجملة اللحنية ثراءً وتنوعاً يُحسبان لذكاء الملحن المخضرم الخبير وموهبته.
وإذا كان اللحن والمقام هما روح الأغنية، فإن الإيقاع في هذه الأغنية المميزة هو بطلها المحرّك والمفاجأة الأبرز، التي تستوقف السامع. فقد بُني العمل على إيقاع "المقسوم" العراقي، المستمد من تفرعات إيقاع مع حضور مكثّف وظاهر لآلة "الكاسور" العراقية. ثم يعرّج الإيقاع على "مارش الشوارع" الذي نعرفه في الفرق الموسيقية العسكرية أو الكشفية، التي تنتظم على إيقاع رتيب، ومحلّى بآلات النفخ النحاسية. وجاء توظيفه هنا معاصراً وثقيلاً دسماً على يد الموزع الفنان هشام نياز.
ويختم فياض قائلاً: كاظم الساهر، ليس مجرّد ملحن أو مطرب يغني ما يطلبه المستمعون، هو مطرب وملحن يفرض فنّه وتراثه على المستمعين، ويأخذهم معه الى حيث يريد. هو يحرّض جمهوره، على طلب ما لم يكن يسمعه أو يسمع عنه، وهنا يكمن سرّ النجاح الكبير. ويغيب كاظم، ويبتعد ويهدأ، لكنه يعود بمفاجآت تبرّر هذا الغياب، وتشرح لنا أن الغيبة هيبة، والعودة تُسعد وتبهر.

يقول الناقد والكاتب العراقي كرم نعمة عن أحدث أغنيات "القيصر" كاظم الساهر" أن السهل على الساهر، في هذه المرحلة من مسيرته، أن يحوّل أي لحن إلى استعراض صوتي. لكن ما يلفت في أغنية "متى؟" أنه يختار العكس تقريباً. يختبر صوته لا ليقول انظروا ماذا أستطيع أن أفعل، بل ليقول اسمعوا ماذا يمكن أن يفعل نص الأبوذية بي.
ويتساءل نعمة: في أغنيته الجديدة "متى؟" هل تعرفون إلى أين عاد كاظم الساهر؟ لو تدرون كيف سيوقظ هذا اللحن يحيى حمدي ورضا علي ومحمد نوشي وعباس جميل ومحمد عبد المحسن. سيوقظهم واحداً واحداً من رقادهم الأبدي، كأن الساهر يطرق أبوابهم القديمة ويقول لهم: ما زال العراق يغني، وما زالت الموسيقى التي صنعتموها قادرة على أن تتنفس من جديد.