على مدار عقود من العطاء الفني، شكّل الفنان أيمن رضا علامة فارقة في الدراما السورية والعربية، وتميّز بقدرة نادرة على تقديم أدوار كوميدية لا تشبه أحداً، واستطاع أن يمزج بين الموهبة والارتجال والجرأة، مقدماً كوميديا ذكية تتجاوز النمطية السائدة.
حصد أيمن رضا شهرة واسعة، وأصبح اسمه مرتبطاً بأعمال تركت بصمة في ذاكرة الجمهور، نتيجة جهد متواصل، اختيارات فنية دقيقة، وشغف حقيقي بالفن الذي يعتبره رسالة ومسؤولية في الوقت نفسه. ولا يقتصر تألقه على الكوميديا فقط، بل يمتد إلى قدرته على تناول قضايا اجتماعية وإنسانية بأسلوبه الخاص.
في حوار الأسبوع مع موقع "فوشيا"، يتحدث أيمن رضا عن حياته الفنية، وتجاربه وطريقة اختيار أدواره، وعلاقاته ببعض الزملاء، إلى جانب رؤيته للفن وتأثيره في المجتمع.
تطل خلال الموسم الرمضاني بشخصية "زعيم الحارة" في مسلسل "اليتيم"، فهل ستخرج هذه الشخصية عن المألوف؟
نعم، هي شخصية مختلفة إلى حدٍّ كبير. فزعيم الحارة في أعمال البيئة الشامية غالباً ما يُقدَّم بوصفه رمزاً للمروءة والشهامة وحفظ الشرف، بينما زعيم الحارة في "اليتيم" يفتقد تماماً لهذه القيم، وهو ما يمنح الشخصية بُعداً مغايراً.
هل تخشى أن تتم مقارنة أدائك بشخصية "زعيم الحارة" التي قدّمها ممثلون آخرون في أعمال سابقة؟
لا، إطلاقاً، ليست لدي أي مخاوف في هذا الجانب. أولاً لأن الشخصية مختلفة في جوهرها، وثانياً لأنني ممثل، وكل ممثل يقدّم الشخصية وفق رؤيته وأدواته الخاصة، وبالطريقة التي يراها مناسبة لتجربته الفنية.
هل يقدّم العمل مقاربة مختلفة على مستوى الحكاية والتفاصيل الفنية عن البيئة الشامية؟
في الواقع، معظم أعمال البيئة الشامية تتشابه إلى حدٍّ كبير على مستوى الحكاية والتفاصيل الفنية، ومسلسل "اليتيم" يدور ضمن هذا الإطار نفسه، من دون خروج جذري عن القالب العام لهذا النوع من الأعمال.
تتجدّد شراكتك الفنية مع المخرج تامر إسحق في هذا العمل، كيف تصف تجربة التعاون معه؟
لي تجارب متعددة مع المخرج تامر إسحق، وهو من المخرجين السوريين المتميّزين. يتمتّع بقدرة واضحة على تطوير النص وإعادة صياغته قبل وأثناء التصوير، كما أنه ملمّ بالبيئة الشامية ويعرف تفاصيلها بدقة. إلى جانب ذلك، هو مخرج متعاون وذكي، ويملك رؤية واضحة لما يريده على مستوى العمل ككل.

تشارك في مسرحية "سمن على عسل" ضمن "موسم الرياض"، كيف تصف عودتك إلى خشبة المسرح بعد سنوات طويلة من الانشغال بالدراما التلفزيونية؟
المسرحية كمشروع فني تحمل قدراً من الرهبة، فالنصوص غالباً ما تحتاج إلى تعديلات لتصبح ملائمة لخشبة المسرح، إضافة إلى ضيق الوقت المتاح للتحضير. كما أنني على المستوى الشخصي، مبتعد عن الكوميديا منذ فترة طويلة. لكننا نعمل جاهدين لتقديم عمل يرضي الجمهور ويلامس تطلعاته.
هل يمكن اعتبار المسرحية إعلاناً لعودتك إلى الكوميديا بعد غياب طويل؟
ما زلنا في المراحل الأولى من التحضيرات، وأتمنى أن يتيح لنا النص تقديم كوميديا حقيقية ومتماسكة. سنبذل كل جهدنا لتقديم عمل كوميدي لائق وقادر على إمتاع الجمهور وإسعاده.
تلتقي في المسرحية بزميلتك شكران مترجى بعد تجارب مشتركة عديدة في الدراما، كيف تصف هذا اللقاء المتجدد على خشبة المسرح؟
عشتُ مع شكران تجارب كثيرة وشكّلنا شراكة ناجحة على مدى سنوات طويلة، ونحن نحترم بعضنا البعض ونقدّر تجاربنا. أحياناً نتبادل النصائح بروح المحبة والدعم. في المسرحية، لن نجتمع كثيراً على المسرح، لكن هناك مشهد أساسي مهم جداً يجمعنا ويضيف قيمة للعمل.

تم الحديث عن إنتاج جزء ثالث من مسلسل "أبو جانتي"، فماذا عن شخصية "أبو ليلى"؟
الجزء الثالث بحاجة أولاً إلى نص قوي يوازي نجاح الجزأين السابقين، بل ويستطيع التفوق عليهما. كما يشترط أن يتواجد جميع نجوم الجزء الأول من دون استثناء، وأن تتوفر الظروف الإنتاجية المناسبة لإنجاز العمل بالشكل الأمثل.
هل تتفق مع من يعتبر شخصية "أبو ليلى" من أهم محطاتك الفنية؟
"أبو ليلى" من الشخصيات التي وضعت فيها كل إمكانياتي على صعيد الكوميديا، وكنت متخوفاً من النتائج في البداية. ما ميز هذه الشخصية أنها منحتني مساحة واسعة للارتجال، والحمد لله، استطاعت أن تحقق جماهيرية كبيرة وتترك أثراً مميزاً لدى الجمهور.
كيف تختار أدوارك اليوم؟ هل تراهن على النص أم على المخرج أم على شركة الإنتاج؟
أضع النص في المقام الأول عند اختيار أي دور، ثم أنظر إلى المخرج وشركة الإنتاج. في الفترة الأخيرة، لاحظت أن بعض المخرجين يضطرون لتقديم تنازلات نتيجة ضغوط مالية. لذلك، رغم أهمية المخرج والشركة، يبقى النص هو المعيار الأساسي لقراري الفني.
سبق أن ساهمت في كتابة لوحات كوميدية حققت شهرة واسعة، فلماذا لم تكرر هذه التجربة؟
في الوقت الحالي، أشارك في الجزء الثالث من مسلسل "ما اختلفنا" بعدد من اللوحات، حيث حاولت من خلالها إعادة الأجواء التي عملنا عليها في بعض لوحات "بقعة ضوء"، وهو ما منحني فرصة لاسترجاع تلك التجربة الكوميدية المميزة بطريقة جديدة.
ما الدور الذي شعرت أنه لم يُنصفك رغم أهميته الفنية؟
في شخصية "أبو ليلى"، شعرتُ أن الجمهور أنصفني بالكامل، لكن شركات الإنتاج لم تستثمر شهرة الشخصية في أعمال سينمائية ودرامية كما يحدث في مصر، على سبيل المثال. أما الدور الذي شعرت بأنه لم يُنصفني، فهو الشخصية التي قدمتها في مسلسل "مرزوق على جميع الجبهات"، حيث لم يحصل على التقدير الجماهيري الذي أعتقد أنه يستحقه.
وائل زيدان قال إن شقيقه أيمن كان له دور بارز في صناعة نجوميتك، بينما خرج أيمن بنفسه وقال: "ليس لي فضل على أحد"، فكيف تقرأ الأمر؟
كل شخص حر في التعبير عن رأيه، ويقول ما يراه مناسباً. أما بالنسبة لي، فأنا والأستاذ أيمن زيدان، مع مجموعة من الفنانين، ساهمنا في خلق حركة فنية فريدة ومميزة، تجاوزت فكرة الفضل الفردي وركزت على التجربة الجماعية والإبداع المشترك.
لمن تدين بما وصلت إليه من نجومية اليوم؟
أدين لوالدتي فقط، فهي التي شجعتني منذ بداياتي، وأعتبرها قدوتي في الحياة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
عُرفت بآرائك الجريئة، فهل شعرت يوماً أنك دفعت ثمن صراحتك؟
نعم، دفعت أثماناً باهظة، خصوصاً فيما يتعلق بالآراء التي كنت أصرح بها أمام المسؤولين. الصراحة لها ثمنها، لكنني أؤمن بأنها جزء من الالتزام بالقيم والمبادئ التي أعمل وفقها.
هل الفن قادر فعلاً على تغيير المجتمع أم هو مجرد مرآة له؟
نعم، أعتقد أن الفن قادر على التغيير عندما تُقدّم الأعمال محملة برسائل الحب والتوعية، وتتجاوز المواضيع التقليدية المرتبطة بالبيئة الشامية مثل الضرب والخناق والخناجر. حينها يصبح الفن أداة فاعلة للتأثير الإيجابي في المجتمع.
هل ترى أن الفنان مُطالب دائماً بأن يكون صاحب موقف واضح؟
بالطبع، على الفنان أن يكون صاحب موقف واضح وصريح في مختلف القضايا، لأن صوته وتأثيره جزء من مسؤولياته تجاه المجتمع.
ما المشروع الذي تحلم بتقديمه ولم يتحقق بعد؟
أتمنى تقديم عمل كوميدي ضخم يجمع كل نجوم سوريا، لكن نجاح مثل هذا المشروع يعتمد بالأساس على توفر شغف وحب حقيقي للعمل المشترك بين الجميع.
كيف غيّر وجود الأحفاد في حياتك نظرتك للعائلة والوقت؟
أحفادي أحدثوا تغييراً كبيراً في نظرتي إلى الوسط الفني والحياة بشكل عام. سابقاً كنتُ أعبّر بجرأة كبيرة، أما اليوم فقد خفّفت من جرأتي في بعض الأمور لأجلهم.
هل تجد نفسك أكثر تدليلاً في دورك كجد مقارنةً بتجربتك السابقة كأب؟
أولادي في عين، وأحفادي في عين أخرى. لكلٍّ منهم مكانته الخاصة في القلب والروح، ومشاعر لا يمكن مقارنتها أو المفاضلة بينها.