يُعد الفنان السوري ميلاد يوسف واحداً من الوجوه البارزة في الدراما السورية خلال العقدين الأخيرين، إذ استطاع أن يرسّخ حضوره عبر مجموعة واسعة من الأعمال التي أكسبته محبة الجمهور وثقتهم.
في حوار الأسبوع مع موقع "فوشيا"، نقترب أكثر من تجربة ميلاد يوسف، ونتعرف إلى آرائه وطموحاته ومسار رحلته على الشاشة، خاصة في ظل تميزه بقدرته على أداء الشخصيات المتنوعة، ما بين الدراما الاجتماعية والبيئة الشامية والأعمال المعاصرة، محافظاً في كل دور على صدق أدائه وعمق تعبيره. وفي ظل التحوّلات التي تشهدها الدراما العربية اليوم، يواصل ميلاد يوسف حضورَه الفني بثبات ورؤية واضحة لمكانة الفن ودوره.

لنبدأ من مسلسل "المستور"، وهو أول أعمالك لموسم رمضان 2026، ما الذي جذبك لخوض هذه التجربة؟
"المستور" مسلسل يتكوّن من حلقات منفصلة متصلة، والمشاركة فيه كانت تجربة مميزة للغاية. المخرج شادي حنا من أبرز المخرجين اللبنانيين، والوقوف أمام كاميرته معه متميز فنياً وشخصياً. العمل يغوص في مشكلات المجتمع العربي عموماً، ولكن بقالب لطيف وخفيف، وليس كوميدياً بالضرورة. كما يقدّم أفكاراً مستمدة من الواقع، لكن بأسلوب سلس، والأجمل أن هذه القصص تتضمن حلولاً لبعض المشكلات. وقد أحببت هذه التجربة لأنها أخذتني إلى مواقع تصوير مختلفة وعلاقات غير مألوفة بالنسبة لي. إضافة إلى توفر جانب بصري وشكلي مميز سيظهر بوضوح على الشاشة.
هل بدأت التحضيرات لأعمال أخرى في موسم رمضان 2026؟
التحضيرات قائمة بإذن الله، وهناك أعمال خارج موسم رمضان، وهناك أيضاً احتمال للمشاركة في عمل ضمن الشهر الفضيل أيضاً، سيتضح ذلك مع مرور الوقت.
غبت موسمين متتاليين عن المنافسة الرمضانية، هل كانت الخيارات غير مناسبة، أم أن أسباباً أخرى حالت دون المشاركة؟
أحياناً لا يكون السبب خياراً فنياً، بل طبيعة الوقت أو ظروف العمل أو أسباب مختلفة. لكنني أرى أن الدراما لم تعد محصورة بموسم رمضان كما كانت سابقاً، فالمشاهد بات يتابع الأعمال على مدار العام، وكثير منها حققت صدى كبيراً خارج الموسم الرمضاني.
حققت نجاحاً لافتاً في شخصية "إياد نصر" في مسلسل "القدر"، فما سر المتابعة الجماهيرية للدراما المعربة؟
"القدر" من التجارب المهمة بالنسبة لي، خاصة أنه صُوّر وعُرض في الوقت نفسه، ما شكّل ضغطاً كبيراً على فريق العمل كله. شخصية "إياد" قريبة إلى قلبي لأنها متعددة المستويات، تجمع الغيرة والطمع والحب والطموح، ما يمنح الممثل مساحة كبيرة للعب. أما سر متابعة الدراما المعربة، فأراه مرتبطاً برغبة المشاهد في المقارنة بين النسخة الأصلية والمعرّبة، وكيف تتحول العلاقات والأحداث عند تعريبها. بعض هذه الأعمال ينجح ويتفوق، وبعضها لا يحقق حضوراً. لكنه أصبح شكلاً درامياً فرض نفسه بقوة.
كيف تصف تعاونك مع قصي خولي في هذا العمل؟
قصي صديق وزميل وأستاذ. هو رفيق الدرب كما يقال. شغفه بالعمل وتميزه واضحان، والتجربة معه كانت غاية في المتعة، سواء داخل العمل أو خارجه، فصداقتنا مستمرة دائماً.
كيف ترى حال الدراما السورية اليوم مقارنة ببداياتها؟
الدراما السورية في حالة تطور مستمر. في البدايات كانت هناك تقاليد وعفوية وروابط إنسانية أقوى ضمن مواقع التصوير، أما اليوم فأصبحت المهنة أكثر تنظيماً واحترافية. لكل زمن نكهته، لكن الممثل الشغوف سيحافظ دائماً على روح الدراما مهما تغيّرت الظروف.
هل ما زالت الدراما السورية تحتفظ بهويتها الخاصة رغم الانفتاح العربي والإنتاجات المشتركة؟
نعم. رغم كل الإنتاجات العربية المشتركة، لا تزال الدراما السورية محافظة على هويتها لأنها تعكس قضايا تخص المجتمع السوري تحديداً. ورغم تشابه الهموم العربية، فإن لكل مجتمع خصوصيته التي تمنح الأعمال المحلية نكهتها الخاصة.
برأيك، هل خدمت هذه الإنتاجات العربية الممثل السوري أم حجبت حضوره؟
برأيي، خدمت الممثل السوري بشكل كبير. فقد أتاحت له جمهوراً أوسع وفتحت أمامه آفاقاً جديدة، ويمكن القول إنها أسهمت في وصوله إلى مستوى عربي وربما عالمي.
ما المعيار الذي يجعلك توافق على عمل جديد؟ النص أم الإخراج أم الدور؟
أرى أن النص هو العنصر الأول والأهم، ثم يأتي الدور والمخرج. إنها ثلاثية مترابطة لا يمكن فصلها، لكن النص غالباً هو الانطباع الأول الذي يحدد قدرتك على خوض التجربة.
هل يمكن أن يوافق الممثل على عمل غير مقتنع به بسبب المال؟
نعم، أحياناً يضطر الممثل لخوض تجربة لا يقتنع بها تماماً لأسباب مادية. لكن الذكاء يكمن في موازنة القناعة الفنية مع الاحتياجات المادية، وهذا يتطلب حكمة وخبرة.
هل سبق أن وافقت على عمل لم تكن مقتنعاً به؟
نادراً جداً، لم أخض تجارب لم أكن مقتنع فيها كثيراً، وهي حالات لا تُذكر، لكن القناعة عنصر أساسي بالنسبة لي في أي عمل أقدّمه.
قدمتَ أكثر من مئة دور، ولكن شخصية "عصام" في "باب الحارة" لا تزال الأكثر حضوراً، فما السر؟
لا أنزعج أبداً من ارتباط اسمي بشخصية ناجحة، لأن ذلك دليل على تأثير العمل الإيجابي في الجمهور. سواء كانت الشخصية في "باب الحارة" أو في أي مسلسل آخر، فحب الجمهور لأي دور هو جزء من نجاح الممثل.
كيف تتعامل مع الشهرة بعد سنوات طويلة من احتراف الفن؟
أرى أن التواضع هو الأساس. يجب الفصل بين الممثل كإنسان وبين حضوره على الشاشة. من المهم أن يبقى الفنان إنساناً طبيعياً في حياته اليومية، وأن يتعامل مع الشهرة بحكمة.
ما رأيك في النجوم الشباب اليوم؟ وهل تراهم قادرين على حمل راية الدراما السورية؟
هم بذور لمرحلة جديدة من العمل الدرامي، وأرى أنهم يمتلكون لديهم طاقة واعدة تبعث على التفاؤل، وأنصحهم بالمحافظة على الشغف والإيمان بالتميّز والخصوصية. الغيرة المهنية مطلوبة، والتجارب والسنوات كفيلة بصقل الموهبة.
هل فكرت يوماً بخوض تجربة الإخراج أو الكتابة؟
كل ممثل يكتسب مع السنوات معرفة معينة بالإخراج والكتابة، لكنني أفضّل التخصص. الكاتب كاتب، والمخرج مخرج، والممثل ممثل. قد أشارك بالأفكار، لكنها تظل ضمن نطاق النقاش وليس الاحتراف.
هل تخاف من مرور الزمن؟ وكيف تتعامل مع التقدم في العمر؟
لا أخاف منه، بل أراه يخدم الممثل. فالتقدم في العمر يفتح أبواباً لشخصيات وأدوار لم يكن ممكناً تجسيدها سابقاً. لديّ طموح دائم لأدوار أحلم بأدائها، والزمن يساعدني على بلوغها.
ما الموقف الذي علمك أهم درس في حياتك؟
الحياة مليئة بالمواقف التي تمنحنا دروساً في التسامح والغفران وعدم الأذى. لكن أهم درس تعلمته أن الزمن كفيل بحل أي مشكلة مهما كان شكلها وحجمها.
ما العادة التي لا تستطيع التخلي عنها؟
لا أستطيع التخلي عن قراءة المشاهد على الورق. أحب أن تكون النصوص مطبوعة أمامي في البروفات والتصوير، ولا أفضّل قراءتها عبر الأجهزة الإلكترونية. أعشق الورق ولا أستغني عنه.
ما أكثر شيء غيرته فيك الحياة بعد كل هذه التجارب؟
أكثر ما يغيّر الإنسان في حياته هو فقدان شخص عزيز عليه. فأنا أعتبر هذا الحدث مفصلاً ينتقل بك من زمن إلى آخر، ومن أفكار إلى أفكار جديدة.

كيف ترى دور المرأة اليوم في المجتمع السوري والعربي؟
أرى ضرورة منح المرأة مساحة أكبر في المجتمع، سواء على المستوى الفني أو الاقتصادي. فهي تمتلك حساً مرهفاً وقدرة كبيرة على التأثير في مفاصل الحياة. وهناك قضايا كثيرة لم تُنصف فيها المرأة بعد، ومن المهم إفساح المجال أمامها للحضور والتعبير.
ما الصورة التي تحب أن تراها للمرأة في الدراما السورية؟
أرى أن صورة المرأة في الدراما السورية يجب أن تُقدَّم بصورة واقعية بشكل أكبر، بعيدة عن القوالب النمطية التي حُصرت بها لسنوات. فالمرأة ليست مجرد تابع للرجل أو أنها عنصر مكمل للحكاية، بل هي شخصية محورية ذات حضور وتأثير ودور فعّال في المجتمع. وأطمح إلى رؤية المرأة في الدراما بوصفها إنسانة كاملة، تمتلك نقاط قوة وضعفاً، وتعيش صراعات وتناقضات، وتسعى إلى تحقيق أحلامها رغم ما تواجهه من ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية. كما أتمنى أن تتجه الأعمال إلى إبراز المرأة القائدة والمرأة العاملة والمرأة المثقفة والمرأة التي تخوض تجارب تحدد من خلالها مصيرها، بعيداً عن الصور التقليدية الضيقة التي تختزل حضورها في المنزل أو في العلاقات العاطفية فقط.
كنت حاضراً مع عدد كبير من نجوم الدراما السورية في اجتماع مع المستشار تركي آل الشيخ في الرياض، حدثنا عن هذا اللقاء وأهميته؟
شكّل اللقاء محطة مهمة جداً لنا كفنانين سوريين، كان ودياً ولطيفاً للغاية، وفيه قدر كبير من الاحترام والتقدير للدراما السورية ولتاريخها، وهذا ما أعطانا مساحة لنتحدث بصراحة عن رؤيتنا للمستقبل. الأهم في هذا الاجتماع كان الإحساس بأن الدراما السورية أمام مرحلة جديدة. وقد لمسنا رغبة حقيقية بتطوير صناعة درامية قوية، وهذا طبعاً يسعد أي فنان. وقد خرجنا من اللقاء بطاقة إيجابية كبيرة، وبانطباع بأن القادم أفضل بكثير، سواء من ناحية فرص العمل أو من ناحية المشاريع النوعية التي ممكن أن تنفذ خارج النمط المعتاد. وأتوجه بالشكر لمعالي المستشار تركي آل الشيخ وللهيئة العامة للترفيه على هذا الاهتمام الفريد.