استطاعت الفنانة اللبنانية كارول عبود خلال السنوات الماضية أن ترسّخ حضورها الفني من خلال شخصيات مركبة وأدوار تحمل أبعاداً إنسانية ونفسية عميقة، فنجحت في الموازنة بين الجرأة الفنية والحسّ الإنساني، من دون أن تفقد خصوصيتها أو هدوءها المعروف.
في "حوار الأسبوع" مع موقع "فوشيا"، تحدثت كارول عبود عن كواليس تقديم شخصية "هديل" في مسلسل "بالحرام"، كاشفة نظرتها إلى مفهوم "الأدوار الصادمة"، مؤكدة أنها تفضّل الحديث عن الشخصيات المركبة لا المستفزة. كما تطرقت إلى عودة الفنانة ماغي بو غصن إلى المسرح، وإمكانية إحداث نقلة نوعية في هذا القطاع من خلال مبادرات إنتاجية جديدة.
إنها من الأدوات المعقدة التي يمتلكها الممثل. فهو، في الوقت نفسه، يعيش الشخصية بكل مشاعرها وتفاصيلها وشكلها، لكنه أيضاً يبقى إنساناً لا يشبهها. بعض الممثلين يتماهَون مع الشخصيات التي يؤدونها، فترافقهم طوال فترة التصوير، أما أنا فأفضّل أن أفصل نفسي عنها، وربما يكون ذلك أيضاً نوعاً من حماية الذات. لذلك أترك الشخصية في موقع التصوير، وأعود لألتقي بها في اليوم التالي.
لا أستطيع القول إن هناك مشهداً محدداً لا يزال عالقاً في ذاكرتي، لكن عموماً كانت المشاهد القائمة على العنف، سواء اللفظي أو الجسدي، من أكثر المشاهد استنزافاً بالنسبة لي على الصعيد النفسي. وأذكر أن بعض هذه اللحظات في مسلسل "ع أمل" حملت قدراً كبيراً من الضغط والتعب النفسي أثناء التصوير.
شعرت بالمسؤولية أكثر من الخوف، لا سيّما أن العمل عُرض خلال شهر رمضان وسط كمّ كبير من الأعمال والمنافسة. كنت حريصة على ألّا تبدو الشخصية مستفزة للجمهور؛ لأن ذلك قد ينعكس على العمل ككل، وفي الوقت نفسه أردت أن أمنح الشخصية حقّها الكامل وأن أقدّمها كما كُتبت من قِبل صنّاع العمل على مستوى الكتابة والإخراج. لذلك، كان التحدي الحقيقي بالنسبة لي هو السير على خيط رفيع يوازن بين جرأة الشخصية واحترام حساسية المشاهد وعدم خدش حيائه.
في الحقيقة، تفاجأت كثيراً بردود فعل الجمهور؛ لأن الشخصية، كما ذكرت سابقاً، ليست من الأدوار السهلة التي يمكن لأي ممثل أن يقدّمها، خصوصاً ضمن عمل يُعرض في شهر رمضان. لكنني لمست وعياً كبيراً لدى الجمهور العربي، وأعتقد أن المشاهد اليوم، سواء في العالم العربي أو خارجه، أصبح أكثر انفتاحاً نتيجة متابعته للأعمال الأجنبية عبر المنصات؛ ما جعله يدرك بشكل أكبر أن الممثل منفصل تماماً عن الشخصية التي يؤديها. وهذا الوعي يمنحنا، كممثلين، مساحة أوسع من الحرية في تقديم شخصيات مركبة وجريئة من دون أن يتم الخلط بينها وبين حياتنا الشخصية.
أعتقد أن الجمهور اليوم يطالب، قبل أي شيء، بأدوار تُقدَّم باحترافية حقيقية. فهو يبحث عن ممثلين يمتلكون الحضور والكاريزما على الشاشة، وعن نصوص قوية تطرح قضايا تمسّه وتعني مجتمعه، إلى جانب إخراج متقن وإنتاج يحترم مستوى العمل والمشاهد في الوقت نفسه. هذا، برأيي، ما ينتظره الجمهور من الدراما. أما أنا، فأرى أن كل شخصية تحمل تركيبتها الخاصة وتعقيداتها المختلفة، لذلك لا أحب توصيف الأدوار بـ”الصادمة”، مهما كانت جريئة أو صعبة. بطبعي أنا لست شخصية صدامية.
في الحقيقة، سبق أن قدّمنا مسرحية "الوحش" عام 2019، وكان لدينا منذ ذلك الوقت رغبة حقيقية في نقلها من المساحة الصغيرة داخل المحترف الذي أسسه جاك مارون في منطقة الأشرفية في بيروت، إلى مسرح أوسع يتّسع لجمهور أكبر. لكن الظروف التي مرّ بها لبنان خلال السنوات السبع الماضية حالت دون تحقيق ذلك في حينه.
المسرح بالنسبة إلى أي ممثل مساحة مختلفة تماماً، تحمل دائماً قدراً كبيراً من الرهبة والشغف في آنٍ معاً. وبرأيي، تبقى تجربة الوقوف على خشبة المسرح استثنائية؛ لأن كل ما يمكن أن يختبره الممثل في السينما أو الدراما التلفزيونية يبقى في كفة، فيما المسرح وحده في كفة أخرى.
أستطيع القول إنني شخصية هادئة بالفعل، خصوصاً في موقع العمل، لكن ذلك لا يعني أنني لا أنفعل أو لا أغضب أو لا أعبّر عن مشاعري في حياتي الخاصة. في النهاية، أنا إنسانة قبل أي شيء، ومن الطبيعي أن أمرّ بكل هذه المشاعر كأي شخص آخر.
لا أعتقد أن هناك أدواراً ندمت على رفضها. وحتى إن صادف أن شاهدت دوراً كنت اعتذرت عنه وقدّمته ممثلة أخرى بنجاح، فإن ذلك يسعدني أكثر مما يزعجني. عندها أقول لنفسي ببساطة إن هذا الدور لم يكن لي منذ البداية.
هناك شخصيات كثيرة أحلم بتجسيدها، لكن ما يهمني أكثر من نوعية الدور بحدّ ذاته، هو أن أكون جزءاً من مشروع فني متكامل يمتلك كل المقومات والمعايير الفنية الناجحة. هذا الأمر، بالنسبة لي، يشكّل مصدر السعادة الحقيقي والدافع الأهم لأي تجربة جديدة.
أكثر ما قد يزعجني هو غياب الاحترافية، أياً يكن الطرف المسؤول عن ذلك. كما يزعجني أي نوع من الاستخفاف بمهنة التمثيل التي منحتها كل حياتي ووقتي وطاقتي، وقدّمت لها كل ما أملك بكل صدق والتزام.
أكره الفشل كثيراً؛ لأنه بالنسبة لي أمر محبط للغاية وقد يترك أثراً سلبياً كبيراً عليّ. أما الوقوع في فخ التكرار فلا أخشاه؛ لأنني أؤمن بقدرتي على خلق شخصيات جديدة من الصفر، وهذا تحديداً هو المساحة التي أشعر بأنها تشبهني وأجيد التحرك فيها.
النجاح، بطبيعة الحال، أمر مفرح ويبعث على الاعتزاز والفخر. وأعتقد أن من واجبي بعد كل تجربة ناجحة أن أهنئ نفسي أولاً على الجهد الذي بُذل. لكن، في الوقت نفسه، لا أحب أن أتعامل مع أي نجاح وكأنه وصول إلى القمة؛ لأنني لا أؤمن بوجود قمة نهائية في هذه المهنة. وهناك دائماً عمل مستمر، وتعب، وتحضير، وخيارات قد تكون صائبة أحياناً وقد تخيب أحياناً أخرى. فمهنتنا ليست سهلة، سواء في ممارستها أو حتى في طريقة إدارتها والتعامل معها.
أتمنى كل التوفيق لماغي، ولكل ممثل يقرر العودة إلى المسرح بعد فترة غياب. فهي في الأساس درست المسرح في كلية الفنون الجميلة، ومن الطبيعي أن يبقى الحنين إلى الخشبة حاضراً لديها مهما ابتعدت عنها.
لا أستغرب عودة ماغي إلى المسرح، كما لا أستغرب النجاح الذي حققته في الكويت؛ لأن ماغي استطاعت على مدى السنوات الماضية أن تبني قاعدة جماهيرية واسعة من خلال أعمالها الدرامية التلفزيونية، وجمهورها بات يترقّب كل ما تقدّمه مهما اختلفت المنصات أو التجارب الفنية.
إذا قرر المنتج جمال سنان الاستثمار في المسرح اللبناني، فأعتقد أن ذلك سيُحسب له بكل تأكيد، خصوصاً في ظل غياب الدعم الرسمي من الدولة اللبنانية للمسرح والفنون اللبنانية بشكل عام. لذلك، تبقى أي مبادرة فردية لدعم هذا القطاع خطوة مرحّباً بها وتحمل أهمية كبيرة للمشهد الفني والثقافي في لبنان.