يصادف اليوم السبت، الثاني من مايو/أيار، ذكرى ميلاد أحد أعمدة الموسيقى الشرقية، ورجل الأرقام القياسية في "السلطنة" والتراث، العملاق الراحل صباح فخري (1933 - 2021). هو ليس مجرد مطرب مرّ في تاريخ الفن العربي، بل هو "الدستور" الذي حفظ القدود الحلبية من الضياع، والحنجرة التي طافت العالم لتقول إن الفن الأصيل لا يموت.
ولد صباح الدين أبو قوس في عام 1933 بقلب مدينة حلب، رحم الموسيقى الشرقية. ومنذ عقده الأول، بدأت ملامح عبقريته تظهر؛ فدرس الموشحات والإيقاعات. أما لقب "فخري"، فهو ليس مجرد كنية، بل وسام استحقاق ناله تقديراً لعرابه السياسي والفني فخري البارودي، الذي رعى موهبته وآمن بأن هذا الشاب الذي كان يوماً مؤذناً في "جامع الروضة" بحلب، سيصبح يوماً مؤذناً للحب والجمال في قاعات العالم.
لم يكن صباح فخري يبحث عن الشهرة، بل كانت الشهرة تطارده. دخل التاريخ من أوسع أبوابه حين حقق رقماً قياسياً في مدينة كاراكاس الفنزويلية عام 1968، بغنائه المتواصل على المسرح لمدة تجاوزت 10 ساعات من دون استراحة، في واقعة جسدت قدرته الخارقة على الأداء والتحمّل.
طاف "ملك القدود" عواصم الفن، من قاعة نوبل في السويد إلى قصر المؤتمرات في باريس وقاعة بيتهوفن في ألمانيا. ولم يمر بمدينة إلا وترك فيها أثراً؛ فنال مفاتيح مدن لاس فيغاس، ديترويت، ميامي، وفاس، وتقلد أوسمة رفيعة من قادة وزعماء، أبرزهم السلطان قابوس، والرئيس الحبيب بورقيبة.
لم يكتفِ فخري بالمسرح، بل خلد صوته في أعمال درامية وسينمائية ضخمة، لعل أبرزها:
إلى جانب فنه، كان صباح فخري رجلاً مؤسسياً؛ ترأس نقابة الفنانين في سوريا لأكثر من دورة، وكان نائباً لرئيس اتحاد الفنانين العرب، وعضواً في مجلس الشعب السوري عام 1998، ليؤكد أن الفنان الحقيقي هو جزء لا يتجزأ من قضايا وطنه ومجتمعه.
في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ترجل الفارس عن صهوة جواده عن عمر ناهز 88 عاماً، لكن صوته ما زال يصدح في كل زقاق بحلب، وفي كل مسرح عالمي وقف عليه. واليوم، في ذكرى ميلاده، يبقى صباح فخري هو "القد" الذي لا يميل، واللحن الذي لا يشيخ، وفق محبيه.