باتت ملامح الموسم الدرامي الرمضاني 2026 في تونس واضحة، مع اقتراب نهاية عرض الأعمال الدرامية التي شكلت وجبة دسمة متنوعة بين الدراما والكوميديا والواقع الاجتماعي.
"فوشيا"، رصد حركة الدراما التونسية في رمضان 2026، واستعان بآراء نقاد لمعرفة مكانة الدراما التونسية وقدرتها على تقديم أعمال تحاكي تطلعات الجمهور التونسي، في ظل استطاعة الناس متابعة كل ألوان الفنون وأنواعها بكبسة زر رقمية.

يقدم مسلسل "حياة" في حكايته، دراما اجتماعية ممزوجة بعناصر بوليسية. العمل يروي قصة رجل مافيا عاد إلى تونس بعد سنوات من الغياب، مثقلاً بخيبات الحب وجراح الماضي، إثر رفض عائلة الفتاة التي أحبها له؛ ما دفعه للهجرة غير النظامية إلى إيطاليا حيث انخرط في شبكات المافيا. المسلسل من إخراج قيس الماجري وسيناريو وحوار خولة حسني، وبطولة صالح الجدي، سوسن معالج، فاطمة صفر، محمد السويسي، عبد الكريم البناني، أميمة مولوي ومنتصر التبان، مع تسجيل عودة كل من محمد أمين حمزاوي وفتحي الذهيبي.

يروي مسلسل "المطبعة"، رحلة رسام موهوب يواجه الفشل المهني وتجاهل أعماله، في محاولة للبحث عن الضوء وسط الإحباط، كما تطرّق إلى مرض "الزهايمر"
الذي كان محورا وجوديا للحكاية. العمل من إخراج وتأليف مهدي هميلي، وبطولة يونس الفارحي، سوسن معالج، روضة المنصوري وسليم بكار.

يتناول مسلسل "الخطيفة"، قصة طفل ضائع تربى على يد امرأة ثرية، ليصبح طبيبًا ويكتشف لاحقًا حقيقة أصله، مع تسليط الضوء على قضايا اجتماعية متعددة، والعمل من إخراج سوسن الجمني، وبطولة ريم الرياحي، كمال التواتي، محمد مراد، غانم الزرلي وأميمة بن حفصية.

يعد مسلسل "هاذي آخرتها" من أبرز الأعمال الكوميدية التي تابعها الجمهور، حيث يعالج الواقع اليومي بأسلوب ساخر ويناقش القضايا الاجتماعية بطريقة خفيفة، من إخراج سامي الفهري، وبطولة بسام الحمراوي، سيف عمران، صابر الوسلاتي، نجلاء بن عبد الله، لبنى السديري، أروى بن إسماعيل، ونعيمة الجاني.

يحمل مسلسل "باب البنات" عنواناً فرعياً هو "صبرية في السبعينيات"، يسرد مغامرات "صبرية" ووالدتها "تركية" التي توقفت ذاكرتها عند السبعينيات؛ ما يفرض على "صبرية" إعادة ترتيب ديكور المنزل وملابسها بما يتوافق مع تلك الحقبة، و العمل من بطولة منى نور الدين ووجيهة الجندوبي، سيناريو وحوار سامية عمامي، وإخراج زياد ليتيّم.

للموسم الثاني على التوالي، تنتقل أحداث مسلسل "صاحبك راجل"، من مطاردات المجرمين إلى مطاردات الزواج، والعمل الذي يعتمد على الأكشن والتشويق والإثارة من إخراج قيس شقير وتأليف زين العابدين المستوري، أحمد الصيد وقيس شقير، وبطولة كوثر الباردي، كريم الغربي، سفيان الداهش، ياسين بن قمرة، صلاح مصدق ونور الدين بوحجبة.

في إطار درامي معاصر، يستعرض مسلسل "غيبوبة"، تأثير الهاتف الذكي على حياة الأسر، من اختراق الخصوصية إلى الابتزاز والتشهير، وتأثير ذلك على العلاقات الأسرية، والعمل من إخراج محمد خليل البحري، وتأليف نوفل الورتاني، وبطولة شاكرة رماح، صلاح مصدق، محمد علي بن جمعة، كوثر الباردي، معز القديري وزياد التواتي.

ترى الكاتبة الصحفية والناقدة سيماء المزوغي، في تصريح لموقع "فوشيا" إن دراما رمضان التونسية هذا الموسم فتحت نافذة على توتر المجتمع وتحولاته العميقة، حيث تتحرك الحكايات بين طموح الشباب في بناء حياة كريمة وثقل واقع يزداد تعقيدًا بفعل الفوارق الطبقية والضغط الاقتصادي المتصاعد.
وبينت أن هذا الواقع يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، معيدًا تشكيل العلاقات الإنسانية، بحيث تتغير ملامح الصداقة ويصبح الحب محكومًا بحسابات الاستقرار، ويتحوّل الزواج في بعض القصص إلى مساحة تفاوض بين العاطفة والقدرة على مواجهة الحياة.
وأكدت المزوغي في قراءتها للأعمال التي قدمتها الدراما التونسية في رمضان 2026، أنها تكشف هشاشة الإنسان حين يواجه ضغوط الزمن المعاصر، وأن التوتر يتسلل إلى البيوت مع انعكاسات واضحة للسياسات الصحية والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية على الإيقاع النفسي للأفراد.
كما اعتبرت أن الكوميديا تمنح مساحة تنفس، وتعمل كعدسة تكشف التناقضات اليومية بلطف ساخر، موضحة أن بعض الأعمال نجحت في التقاط نبض المجتمع بصدق، لكنها شددت على ضرورة تعميق الشخصيات والغوص أعمق في تحليل العلاقات الإنسانية.

بدورها، أكدت الصحفية والناقدة يسرى الشيخاوي في تصريح لموقع "فوشيا" أنّ ما يحسب للموسم الدرامي الرمضاني هو التنوع والاختلاف في الثيمات، إلى جانب المنافسة بين قنوات تلفزيونية مختلفة دخلت سوق الإنتاج.
وأشارت الشيخاوي إلى تراوح المواضيع بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وما يتخللها من مساحات ثقافية، مبينة أن بعض الأعمال تميزت بكتابة متماسكة، فيما افتقرت أعمال أخرى للحبكة المحكمة، لكن أعمالًا مثل "الخطيفة" راهنت على أسماء وازنة وجمهور صنعته قناة الحوار التونسي.
وأشارت الشيخاوي إلى أن جميع الأسماء التي خطت بصمتها في المشهد الدرامي أثبتت قدرتها على جذب الجمهور والحفاظ على مساحتها رغم سطوة الأرقام والانحراف في اختيار بعض الممثلين من منصات التواصل الاجتماعي مثل: "إنستغرام".
ولعل ما يحسب لمسلسل "الخطيفة" لسوسن الجمني هو عودة الممثلة لمياء العمري التي لقيت احتفاءً من الجمهور بحجم الحنين إلى فترة الزمن الجميل في الدراما الرمضانية. كما أكّدت الشيخاوي أنّ ما يحسب لمسلسل "حياة" لقيس الماجري هو الاحتفاء بالجنوب التونسي وتناغمه بين جيل قديم وجديد من الممثلين، إلى جانب الموسيقى التصويرية المتفردة بإمضاء الفنان كريم الثليبي.
وأضافت أن مسلسل "غيبوبة" نجح في طرح مواضيع معاصرة مثل مواقع التواصل الاجتماعي وأثرها السلبي على الأسرة والتفكك الأسري، فيما برز مسلسل "باب البنات" لزياد اليتيم لاستحضارها الحنين إلى الماضي بطريقة جذابة، مؤكدة أن الدراما التونسية لا تزال أمام فرصة لتعميق الشخصيات والتفاعل مع التحولات النفسية والثقافية، لتصبح أكثر من مجرد ترفيه، بل مرآة فكرية للمجتمع.