عاد المسرح الغنائي ليحتل موقعه على الخشبة اللبنانية مع انطلاق العرض الأول لمسرحية "أنا وغيفارا" على مسرح جورج الخامس في منطقة أدونيس، بحضور لافت لوجوه من الوسطين الفني والإعلامي.
العمل الذي شكّل محطة بارزة قبل نحو عشرين عامًا، يعود اليوم بصيغة جديدة تعكس تحولات الواقع السياسي والإنساني، وتطرح أسئلة معاصرة حول الحرية والسلطة والعدالة.
توقّع مسرحية "أنا وغيفارا" الأخوان فريد وماهر صبّاغ، وتقدّم قراءة إنسانية وفكرية لسيرة الثائر تشي غيفارا، بعيدًا عن القالب التوثيقي التقليدي.
ويعتمد العمل على المزج بين الغناء والتمثيل واللوحة البصرية، ليقدّم عرضًا غنيًا بالمشاعر والدلالات الرمزية، حيث تتحوّل السيرة التاريخية إلى مساحة للتأمل في مصير الثورات وعلاقة الإنسان بالسلطة.
خلال العرض الافتتاحي، التقى موقع "فوشيا" بعدد من أبطال المسرحية، وفي مقدمتهم نادين الراسي، التي تخوض تجربة مركّبة من خلال أدائها عدة شخصيات متناقضة في الظاهر، لكنها تلتقي في البعد الفكري.
وتجسّد الراسي شخصية "إيفا"، التي ترمز إلى القوى الكبرى وكيفية توظيفها للدول والثورات وفق مصالحها، إضافة إلى شخصية "تانيا"، الثائرة وحبيبة غيفارا، التي تشاركه النضال والحوار السياسي، فضلًا عن دور مريم العذراء، في انتقال رمزي بين الأرضي والروحي.
وأكدت الراسي أن هذه الشخصيات لا تمثل تحديًا أدائيًا بقدر ما تعكس واقعًا سياسيًا وإنسانيًا متكررًا، معتبرة أن أكثر ما جذبها هو المشهد الذي يظهر فيه غيفارا قبل موته في لحظة تضرّع ولجوء روحي، ما يقدّم الثائر كإنسان يحمل شكوكه وضعفه، لا كرمز جامد.
أوضح الأخوان فريد وماهر صبّاغ أن "أنا وغيفارا" هو أول عمل مسرحي قدّماه، وأن إعادة إحيائه جاءت نتيجة التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين.
وأشارا إلى أن النص أُعيدت كتابته بما يواكب وعي الإنسان المعاصر، من دون تغيير الوقائع التاريخية، مؤكدين أن تطور الرؤية الفنية جاء انعكاسًا لتبدّل نظرة الإنسان إلى العالم، لا لتبدّل الحدث نفسه.
وعن اختيار نادين الراسي، شدّدا على أن المسرح الغنائي يُعد من أكثر الأشكال الفنية تطلبًا، معتبرين أن خوضه بنجاح هو شهادة احتراف، وهو ما أثبتته الراسي عبر أدائها أربعة أدوار مختلفة في عمل واحد.
قدّمت أنطوانيت عقيقي شخصية ضابط ينتمي إلى منظومة السلطة، لكنه يعيش صراعًا داخليًا بين الواجب العسكري والتعاطف الإنساني مع الثوار، في تجسيد درامي للتناقض الأخلاقي.
أما كارين رميا فتؤدي دور "سيليا"، أمّ الثوار، التي تؤمن بمبادئ غيفارا وتدافع عن الحق، لكنها ترفض العنف الأعمى، في طرح متوازن بين الثورة والقيم الأخلاقية.
من جانبه، شدد رفيق فخري على أن المسرح الغنائي الموسيقي يواجه تحديات كبيرة في ظل توجه الجمهور إلى أشكال فنية أخرى، إلا أن الإصرار على الإنتاج ينبع من إيمان عميق بدور هذا الفن وقدرته على حمل الفكرة والرسالة.
وأكد أن الرهان الحقيقي هو توفير مساحة للجمهور لمشاهدة مسرح راقٍ، يحترم العقل والذائقة، ويعيد الاعتبار للفن كأداة وعي وتغيير، مهما بلغت الصعوبات المادية.