في ظل الأوضاع المتقلبة التي تشهدها مناطق مختلفة من الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، وما تفرضه من ضغوط نفسية وحياتية على الأفراد والعائلات، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام تغيّرات مفاجئة في تفاصيل حياتهم اليومية.
فالأحداث المتسارعة، والقلق المرتبط بالأزمات أو الحروب، قد يربك الإيقاع المعتاد للحياة ويجعل الروتين الذي اعتاد عليه الناس عرضة للتبدّل أو الانقطاع.
هذا التغيّر لا يمرّ دائماً بهدوء على المستوى النفسي؛ إذ يشعر كثيرون بعدم الارتياح عندما يختفي الروتين الذي كان ينظم يومهم ويمنحهم شعوراً بالاستقرار.

في مقابلة خاصة مع محللة السلوك ليال أبو سعد، نتوقف عند تأثير فقدان الروتين على الشعور بالأمان، ونستكشف كيف يمكن للعادات اليومية البسيطة أن تتحول إلى عنصر دعم نفسي مهم، خصوصاً في الأوقات التي يزداد فيها الشعور بعدم اليقين.
من منظور تحليل السلوك، الروتين اليومي يعمل كنوع من الإشارات البيئية المتوقعة التي تساعد الدماغ على معرفة ما سيحدث لاحقًا. عندما يتغير الروتين فجأة، يفقد الإنسان هذه القدرة على التنبؤ، فيزداد الشعور بعدم اليقين. الدماغ يميل بطبيعته إلى البحث عن الأنماط والاستقرار، لذلك فإن التغيّر المفاجئ قد يرفع مستويات التوتر واليقظة لأنه يجعل البيئة أقل قابلية للتوقع.
الروتين يمنح الإنسان شعورًا بالتحكم النسبي (autonomy) في حياته اليومية. عندما يختفي هذا الروتين، قد يشعر الشخص بأن الأحداث أصبحت خارج سيطرته. في علم السلوك، قابلية التنبؤ (predictability) مرتبطة مباشرة بالشعور بالأمان؛ لذلك فإن فقدانها قد يزيد من القلق، خاصة في الظروف الضاغطة مثل الحروب أو الأزمات.
نعم، حتى الروتين البسيط يمكن أن يكون له أثر كبير. الأنشطة الصغيرة المتكررة يوميًا مثل وقت محدد لتناول الطعام أو المشي أو التواصل مع العائلة، توفر إشارات ثابتة تساعد الدماغ على استعادة بعض الإحساس بالنظام. هذا النوع من الثبات السلوكي يمكن أن يقلل من التوتر لأنه يعيد عنصر التوقع إلى الحياة اليومية.
حتى في الظروف غير المستقرة، يمكن الحفاظ على عادات بسيطة مثل:
هذه العادات الصغيرة تعمل كبر أمان نفسيا وسلوكيا وبالتالي تساعد الشخص على الشعور ببعض الاستمرارية.
الأطفال يعتمدون بشكل كبير على الروتين والإشارات الواضحة لفهم العالم من حولهم. يمكن للعائلة دعم شعورهم بالأمان عبر:
حتى لو تغيرت الظروف الخارجية، فإن ثبات بعض الأنشطة العائلية يمنح الطفل رسالة مهمة: أن هناك أشياء ما زالت مستقرة ويمكن الاعتماد عليها.
تشير الأخصائية النفسية ليال أبو سعد في ختام حديثها إلى أن الحفاظ على قدر من الروتين، حتى لو كان بسيطاً، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تعزيز الإحساس بالاستقرار النفسي. فالعادات اليومية الصغيرة تمنح الدماغ إشارات واضحة تساعده على استعادة الشعور بالنظام والتوقع، وهو ما يقلل من مستويات التوتر في الأوقات الصعبة.