قد لا يخطر في بالكِ أن اللحظة التي يترككِ فيها طفلكِ ليتجه إلى ركنه الصغير، ويغوص في عالمه الخاص، هي في الحقيقة أكثر من مجرد وقت مستقطع للراحة. ففي تلك اللحظات التي يبدو فيها منشغلًا بلعبة بسيطة أو مشهد متخيل، تحدث أشياء عظيمة لا تُرى بالعين المجرّدة.
اللعب المستقل هو المساحة التي يختبر فيها الطفل نفسه، يتخذ قراراته الأولى، يتعلّم كيف يملأ فراغه دون الاعتماد على أحد، ويصنع عالمه الخاص من خياله وأدواته المتوفرة.
هي الخطوة الأولى نحو شخصيته المستقلة، ونحو وعي داخلي ينمو بهدوء ليُثمر لاحقًا في المدرسة، وفي صداقاته، وفي قدرته على مواجهة العالم.
في هذا الموضوع حاور موقع "فوشيا" استشارية الطفولة المبكرة روَد الجُبراني، لنغوص في عمق هذا النوع من اللعب، ونكتشف كيف يمكن للأم أن ترافق طفلها بخطوات ذكية نحو الاستقلال دون أن تتخلى عن دفء العلاقة، ونستعرض أفضل الأنشطة، وكيفية التعامل مع مقاومة الطفل لهذه المهارة في بداياتها.
في هذا الحوار مع روَد نكتشف عمق أهمية اللعب المستقل، ونقدّم رؤية عملية للأهل حول كيفية دعمه وتفعيله بطرق مدروسة.
تكمن أهمية اللعب المستقل في كونه تدريبًا مباشرًا على مهارة الاستقلال، وهي مهارة جوهرية تخدم الطفل طوال حياته. من خلال هذا النوع من اللعب، يتعلم الطفل اتخاذ قراراته بنفسه: يختار ما يريد اللعب به، يقرر طريقة اللعب، ويقود مجريات النشاط كاملًا من البداية حتى النهاية.
اللعب المستقل يمنح الطفل مساحة حرة للتعرف إلى رغباته واحتياجاته الشخصية، كما يعزز من ثقته بنفسه واعتماده على ذاته. وفي سياقات الحياة المختلفة، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية دون انتظار تدخل من الآخرين أو الاعتماد عليهم لإنهاء المهام. بهذه الطريقة، ينمي الطفل تصورًا مكتملًا لأي مهمة، ويكتسب مهارات عقلية واجتماعية تتيح له التفاعل بفعالية مع محيطه.
من المهم أن يبدأ الأهل بتشجيع اللعب المستقل منذ السنوات الأولى للطفولة، وتحديدًا منذ لحظة بدء الطفل بالمشي؛ لأن هذه المرحلة حاسمة في تشكيل بنيته الذهنية والنفسية. ولكن، حتى لو تأخر البدء بهذه الخطوة، يمكن تنمية هذه المهارة في أي وقت من خلال خطوات تدريجية مدروسة.
تبدأ الرحلة بمنح الطفل مساحته الخاصة، وتقديم خيارات مفتوحة دون فرض توجيهات مباشرة أو مقاطعة مستمرة. من الضروري مقاومة الرغبة في التدخل كلما شعر الطفل بالملل؛ فهذا الملل بحد ذاته فرصة ذهبية لتشغيل عقله وتحفيز إبداعه للبحث عن أفكار جديدة.
كما يجب على الأهل التصالح مع فكرة أن الشعور بالملل ليس أمرًا سلبيًا، بل إنه محفز طبيعي للتفكير والابتكار. وبدلًا من قصر مفهوم اللعب على التسلية فقط، من المفيد دمج الطفل في المهام اليومية داخل المنزل، كالمساعدة في المطبخ أو ترتيب الأغراض أو التسوق، فهذه أنشطة تحمل أبعادًا تعليمية وتدعم حسه بالمسؤولية.
الخطوة الأولى هي اختيار الأدوات والألعاب المناسبة التي تتيح اللعب المفتوح وغير المحدود، أي تلك التي يمكن استخدامها بعدة طرق، ولا تفرض سيناريو واحدًا مكررًا. يبدأ الأهل بمشاركة بسيطة في اللعب ثم ينسحبون تدريجيًا، إلى أن يتمكن الطفل من اللعب وحده بثقة وارتياح.
أما بالنسبة للأنشطة، فمن المهم تنويع الموارد المستخدمة:
التنوع ضروري جدًا، فلا ينبغي حصر الطفل بنمط واحد من اللعب فقط لأنه يحبه، بل يجب توسيع آفاقه وتقديم خيارات متعددة تساعده على اكتشاف اهتمامات ومهارات جديدة.
مثل أي مهارة أخرى، يحتاج الطفل إلى وقت وتكرار ليتعلم اللعب المستقل. لا يمكن إجباره أو التعجيل في العملية، بل يتم تدريبه على الانفصال التدريجي من خلال خطوات متدرجة ومحسوبة. المهم هو الثبات والصبر، مع تقديم الدعم العاطفي، حتى يشعر بالأمان والثقة التي تمكنه من الاعتماد على نفسه.
في النهاية، لا يتعلق اللعب المستقل فقط بترك الطفل وحيدًا لبعض الوقت، بل بمنحه المساحة التي يحتاجها لينمو على مهل، ويكتشف قدراته، ويتعلّم كيف يكون رفيقًا جيدًا لنفسه.
حين تدعمين هذه المهارة بصبر ووعي، فإنكِ تزرعين في طفلك بذور الاستقلال، والخيال، والثقة بالنفس... بذور ستنمو يومًا بعد يوم لتكوّن إنسانًا يعرف كيف يقود حياته، ويواجه تحدياته، ويُبدع في أبسط اللحظات.
لا تقلقي إن تردّد طفلك في البداية، فكل مهارة عظيمة تبدأ بخطوة صغيرة. فقط كوني هناك... لا لتلعبي بدلًا منه، بل لتشجعيه على أن يلعب بنفسه.