في 22 فبراير من كل عام، تحتفي المملكة العربية السعودية بـ"يوم التأسيس السعودي"، الذي يروي قصة الدولة السعودية الأولى ويبرز وحدة واستقرار السعودية عبر ثلاثة قرون. من الدرعية إلى أمجاد الملك عبد العزيز، يحتفل هذا اليوم بجذور الوطن العميقة ومسيرة مستمرة نحو المستقبل.

تعود جذور الاستقرار في وسط الجزيرة العربية إلى نحو عام 430 م، حين استقرت قبيلة بني حنيفة قادمة من الحجاز على ضفاف وادي حنيفة بقيادة عبيد بن ثعلبة، واختارت حجر اليمامة مقرًا دائمًا لها. سرعان ما ازدهرت المنطقة، وأصبحت حجر واحدة من أعظم مدن اليمامة، تحت قيادة ثمامة بن أثال الحنفي، الذي ارتبط اسمه بقصة شهيرة مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
رغم فترات الفرقة والتشتت التي مرت بها المنطقة لاحقًا، بقيت جذوة الاستقرار متقدة، إلى أن تأسست الدرعية عام 1446 م (850 هـ) على يد الأمير مانع بن ربيعة المريدي، الجد الثاني عشر للملك عبد العزيز آل سعود –رحمه الله–، لتصبح لاحقًا نواة مشروع الدولة السعودية الأولى.
تميّزت الدرعية بموقع استراتيجي على وادي حنيفة، وعلى أحد أهم طرق التجارة القديمة بين شمال وجنوب الجزيرة العربية، ما جعلها مركزًا حضاريًا وتجاريًا بارزًا في المنطقة.
في هذه البيئة المتميزة وُلد الإمام محمد بن سعود عام 1679 م (1090 هـ)، ونشأ في أسرة إمارة ذات خبرة قيادية، فقد شارك منذ صغره في إدارة شؤون الدرعية إلى جانب والده. هذه التجربة المبكرة صقلت شخصيته القيادية، ومهدت الطريق لمرحلة محورية في تاريخ الدولة السعودية الأولى.
في منتصف عام 1139 هـ الموافق لفبراير 1727 م، تولى الإمام محمد بن سعود الحكم، مؤسسًا الدولة السعودية الأولى وعاصمتها الدرعية، في خطوة مثلت تحولًا سياسيًا مهمًا في تاريخ الجزيرة العربية.
عمل الإمام المؤسس على توحيد شطري الدرعية بعد أن كان الحكم متفرقًا، واهتم بتنظيم موارد الدولة، وتعزيز الأمن، وتقوية النسيج الاجتماعي، كما أسّس حي "الطرفية" في سمحان، وانتقل إليه مركز الحكم بعد أن ظل حي غصيبة مقرًا للإمارة لسنوات طويلة.
امتازت تلك المرحلة برؤية إصلاحية شاملة، ركزت على الوحدة، ونشر التعليم، وتعزيز الاستقرار، وتأمين طرق الحج، ودعم البلدات المجاورة، ما جعل الدولة السعودية الأولى واحدة من أبرز المشاريع الوحدوية التي عرفتها الجزيرة العربية منذ قرون.
استمرت الدولة السعودية الأولى حتى عام 1818 م (1233 هـ)، ورغم محاولات القضاء عليها، فإن جذورها بقيت حية. وبعد سبع سنوات فقط، تمكن الإمام تركي بن عبد الله عام 1824 م (1240 هـ) من استعادة الحكم وتأسيس الدولة السعودية الثانية، التي استمرت حتى عام 1891 م (1309 هـ).
وبعد عقد من الزمن، قيّض الله الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود عام 1902 م (1319 هـ) ليستعيد الرياض، ويؤسس الدولة السعودية الثالثة، التي توحدت لاحقًا باسم المملكة العربية السعودية، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء والتنمية، سار فيها أبناؤه الملوك على نهجه في تعزيز الوحدة والاستقرار.
في 27 يناير 2022، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز –حفظه الله– أمرًا ملكيًا يقضي بأن يكون يوم 22 فبراير من كل عام يومًا لذكرى تأسيس الدولة السعودية باسم "يوم التأسيس"، على أن يكون إجازة رسمية.
وتأتي هذه الخطوة تأكيدًا للاعتزاز بالجذور التاريخية العميقة للدولة السعودية، وترسيخًا لقيم الوفاء والولاء، وتعزيزًا للهوية الوطنية التي تشكلت عبر ثلاثة قرون من الوحدة والأمن والاستقرار.
يمثل يوم التأسيس مناسبة وطنية يستحضر فيها السعوديون أمجاد البدايات، وقصة دولة قامت على الوحدة والالتفاف حول القيادة، واستمرت رغم التحديات، حتى أصبحت اليوم نموذجًا في التنمية والطموح.
إنه يوم يحتفي بجذور ضاربة في التاريخ، وبوطنٍ رسّخ مكانته عبر العصور، ليواصل مسيرته بثقة نحو المستقبل، مستندًا إلى إرثٍ عريق ورؤيةٍ طموحة.