انطلقت فعاليات مهرجان برلين السينمائي 2026 في دورته الـ76، ليؤكد مجددًا مكانته كأحد أهم ثلاثة مهرجانات سينمائية في العالم إلى جانب كان والبندقية، وعلى مدار 11 يومًا، تتحول العاصمة الألمانية إلى منصة عالمية تحتفي بالفن السابع، حيث تتقاطع السينما مع السياسة والصناعة وسوق التوزيع، في نسخة جديدة من البرليناله تجمع بين الطموح الفني والحضور الجماهيري الواسع، وسط منافسة محتدمة على جائزة الدب الذهبي.
يفتتح مهرجان برلين السينمائي دورته الـ76 بفيلم No Good Men للمخرجة الأفغانية شهر بانو سادات، في عرض عالمي ضمن قسم Berlinale Special خارج المسابقة الرسمية.
ويرصد الفيلم قصة مصوّرة في غرفة أخبار بكابول، تواجه تعقيدات التمييز الجنسي والضغوط السياسية والخيبات الشخصية قبيل أحداث أغسطس/آب 2021، ويمزج العمل بين الحس السياسي والكوميديا الرومانسية السوداء، في توليفة تعكس روح البرليناله التي تميل إلى مقاربة اللحظات التاريخية الحساسة بعمق إنساني بعيد عن المباشرة.
مديرة المهرجان تريشيا تاتل أوضحت أن اختيار فيلم الافتتاح جاء رغبة في مفاجأة الجمهور بفيلم "سياسي يمس القلب ويثير الضحك في آن واحد"، في تأكيد على سعي الإدارة لتحقيق توازن بين الجدية الفنية والتواصل الجماهيري.
أسس مهرجان برلين السينمائي عام 1951 في ظل الحرب الباردة، ليصبح المنبر الأكثر انخراطًا في القضايا السياسية والاجتماعية بين المهرجانات الكبرى، ومنذ نشأته في مدينة كانت منقسمة، رسّخ سمعته كمساحة للنقاش الحر والتعبير الفني الجريء.
إلى جانب العروض السينمائية، يحتضن المهرجان سوق الفيلم الأوروبي (EFM)، أحد أكبر أسواق السينما عالميًا، بمشاركة أكثر من 12 ألف متخصص من 140 دولة، ويُعد السوق مؤشرًا مبكرًا لاتجاهات صناعة السينما كل عام.
وفي 2025، سجل المهرجان رقمًا قياسيًا ببيع 336 ألف تذكرة، ما يعكس طابعه الجماهيري مقارنة بمهرجانات النخبة.
تشهد الدورة 76 حضور كوكبة من نجوم السينما العالمية على السجادة الحمراء، كما تحضر كلوي تشاو وتشارلي إكس سي إكس ضمن عروض خاصة، ما يعزز الزخم الإعلامي لـ مهرجان برلين 2026.
يتنافس 22 فيلمًا من 28 دولة على جائزة الدب الذهبي، في مسابقة تعكس تنوعًا جغرافيًا وجماليًا واضحًا، بين الدراما والأنمي والويسترن والإثارة والرعب والوثائقي.
وتؤكد تريشيا تاتل أن القاسم المشترك بين أفلام المسابقة ليس النوع، بل "الطموح الفني وجرأة الرؤية"، في محاولة لإعادة التوازن بين السوق والجمهور داخل البرليناله.
كما يشهد المهرجان عروضًا وثائقية بارزة وأعمالًا تلفزيونية مقتبسة من روايات عالمية، ما يعكس اتساع البرمجة لتشمل أشكالًا سردية متعددة.
في محطتها الثانية على رأس مهرجان برلين السينمائي، تسعى تريشيا تاتل إلى تعزيز التنوع داخل البرنامج، وربط المهرجان بشكل أوثق بـ سوق الفيلم الأوروبي، مع دعم التوزيع المستقل ودور العرض الفنية.
وتؤكد أن هدف الإدارة هو الحفاظ على البرليناله كمساحة آمنة لعرض الأفلام من دون رقابة، مع فتح قنوات حوار تضمن توازنًا بين حرية التعبير واستقرار الفعالية.
يشهد برليناله 2026 حضورًا عربيًا قويًا، سواء داخل المسابقة الرسمية أو في البرامج الموازية وسوق الفيلم الأوروبي.
وتشارك تونس بفيلم "بيت الحس" للمخرجة ليلى بوزيد، الذي يواصل طرح أسئلة الهوية والمنفى بلغة سينمائية هادئة ذات أبعاد نفسية عميقة.
ويحضر لبنان بعدة أعمال، بينها وثائقي "يوم الغضب: حكايات من طرابلس"، كما تعرض الجزائر فيلم "وقائع زمن الحصار"، ويُعاد تقديم الفيلم السوداني الكلاسيكي "خلع العنبر"، إضافة إلى عرض النسخة المرممة من الفيلم المصري "أغنية توحة الحزينة".
على المستوى الصناعي، يحل المغرب ضيف شرف سوق الفيلم الأوروبي EFM، في خطوة تعكس تصاعد دور السينما المغربية والعربية في الإنتاج المشترك وجذب الاستثمارات الدولية.
تؤكد الدورة 76 من مهرجان برلين السينمائي أن البرليناله لا يزال مساحة فريدة تلتقي فيها السينما كفن مع الصناعة كسوق عالمي، وتتصدر فيه القضايا الاجتماعية المشهد من دون أن تغيب الجاذبية الجماهيرية.
ومع انطلاق المنافسة على الدب الذهبي، تتجه الأنظار إلى برلين لمتابعة دورة تبدو الأكثر تنوعًا وتوازنًا في السنوات الأخيرة، في مشهد يعكس تحوّلات السينما العالمية وصعود حضورها العربي.