نجح المصمم السوري دانيال عيسى في تحويل رحلته الشخصية، بما حملته من تحديات وتحولات، إلى مصدر إلهام وهوية إبداعية واضحة. فمنذ إطلاق علامته الخاصة Daniel Essa العام 2017، استطاع أن يثبت حضوره في عالم الموضة عبر تصاميم أحذية فاخرة تمزج بين الأناقة الفرنسية والحرفية الإيطالية، وتحمل تفاصيل باتت تشكّل بصمته الخاصة.
بدأت رحلة دانيال بأسلوب مختلف، إذ دخل عالم الموضة بعد تخرّجه بمرتبة الشرف من ESMOD، ولفت الأنظار من خلال تقديم برنامجه التلفزيوني الخاص لثلاث سنوات حول أحدث صيحات الأزياء. ثم قادته رحلاته إلى أوروبا، لا سيما إلى باريس، عاصمة الموضة العالمية، حيث توسّعت رؤيته الإبداعية وتبلورت ملامح عالمه الخاص. وكان حلمه الأساس دائماً ابتكار تصاميم تلامس الناس وتمنحهم شعوراً بالتميّز والثقة من خلال إبداعاته.

في هذا الحوار مع "فوشيا"، يتحدث دانيال عيسى، المدير الإبداعي لـDaniel Essa، عن الرحلة التي قادته من سوريا إلى باريس، وعن تأسيس علامة تحمل هوية واضحة وسط صناعة شديدة التنافسية. كما يشارك رؤيته للإبداع والاستدامة والفخامة الحديثة، وطموحه لتوسيع عالم علامته ليشمل أسلوب حياة متكاملاً.
أعتقد أن نقطة التحوّل الحقيقية جاءت بعد إطلاق علامتي التجارية والدخول فعلياً إلى عالم الموضة بكل تفاصيله. لم يعد الأمر يقتصر على الرسم والإبداع، بل أصبح مرتبطاً ببناء مشروع متكامل وفهم السوق والعملاء والمنصات الرقمية. هذه المرحلة نقلتني من مصمم يعمل بمفرده إلى شخص يبني علامة برؤية طويلة الأمد، مع الحفاظ على روح الإبداع وهوية العلامة.
أعتقد أن لحظات الشك ارتبطت بطبيعة هذه الصناعة نفسها. فعالم الموضة تهيمن عليه دور كبرى تمتلك فرق عمل ضخمة وخبرة طويلة، لذلك عندما تبدأ بمفردك وتتولّى كل شيء تقريباً بنفسك، من الطبيعي أن تتساءل: كيف يمكنني أن أنافس في عالم كهذا؟
ما ساعدني على تجاوز هذه الشكوك هو دراسة السوق بعمق، ليس فقط لفهم ما هو موجود، بل لمعرفة ما ينقصه أيضاً. وأدركت مبكراً أنني لا أستطيع الاستمرار فقط من خلال اتباع الصيحات أو تكرار ما يقدّمه الآخرون، بل كان عليّ ابتكار تصاميم تحمل هوية قوية وتبقى مرغوبة مع مرور الوقت. هذه القناعة غيّرت رؤيتي بالكامل، وجعلتني أركّز على بناء عالم خاص بالعلامة وتقديم شيء جديد وحقيقي.

تبدأ العملية عادة بالفكرة والمشاعر التي يحملها التصميم، فأنا أحب ابتكار قطعة تمتلك قصة وهوية واضحة. لكنني في الوقت نفسه أفكر دائماً بالشخص الذي سيرتدي الحذاء، وبالشعور الذي سيمنحه له من ثقة وأناقة وراحة وتميّز. بالنسبة لي، الفخامة الحقيقية، اليوم، هي تحقيق التوازن بين الرؤية الفنية والحياة الواقعية.

من أكثر الأمور التي أثّرت فيّ عاطفياً هو عندما تختار النساء ارتداء أحذيتنا في يوم زفافهن. نتلقى الكثير من الرسائل والإيميلات من عرائس يخبرننا فيها كم أحببن التصاميم منذ اللحظة الأولى، وهذا شعور مميز جداً لأن القطعة تصبح جزءاً من لحظة لا تُنسى في حياتهن. كما أن أحذيتنا باللونين الأبيض والفضي تنفد بسرعة بسبب هذا الإقبال الكبير.
وفي الوقت نفسه، يسعدني أيضاً أن كثيراً من الرجال باتوا يختارون السنيكرز الخاصة بنا مع بدلات الزفاف، خاصة مع انتشار الأسلوب الذي يجمع بين الأناقة والطابع العصري. وأحياناً نقوم بتخصيص بعض التفاصيل لتتناسب مع ألوان البدلات، وهذه العلاقة الشخصية مع العملاء تعني لي الكثير وتمنح التصاميم بُعداً عاطفياً حقيقياً.

الإبداع هو روح العلامة، لكنه لا يكفي وحده لبناء دار أزياء قادرة على الاستمرار. لذلك أحرص على تقديم تصاميم تحمل بعداً فنياً، وفي الوقت نفسه تلبي احتياجات السوق وتحافظ على قيمتها مع مرور الوقت. بالنسبة لي، النجاح الحقيقي يكمن في حماية الهوية الإبداعية وبناء مشروع قوي ومستدام حولها.
الهوية البصرية هي العنصر الذي لا يمكنني التنازل عنه أبداً. أريد أن يتمكّن الناس من التعرّف إلى تصاميمنا فور رؤيتها. تفاصيل مثل زهرة Bisou أو الكعب المزدوج أو الأربطة القابلة للتبديل في أحذية Toi et Moi الرياضية التي أصبحت جزءاً من عالم العلامة. بالنسبة لي، لا يكفي أن يكون التصميم جميلاً، بل يجب أن يحمل شخصية واضحة وقصة لا تُنسى.

تواصل المجموعة الجديدة استكشاف التوازن بين الأناقة والابتكار والهوية البصرية القوية. هذا الموسم نقدّم كعباً جديداً مستوحى من هوليوود الكلاسيكية وأفلام الزمن الجميل، مع الحفاظ على الطابع العصري وسهولة الارتداء. كما نطلق للمرة الأولى كعباً بارتفاع 8 سنتيمترات ضمن تصميم Bisou Flower Mules الشهير استجابة لطلبات العملاء. وسنطلق أيضاً تصاميم جديدة من الـMules والصنادل المفتوحة بخامات وألوان راقية تعكس رؤيتي للأناقة البسيطة والراقية.

الحذاء المثالي يجب أن يجمع بين هوية قوية وراحة وتصميم يحافظ على جاذبيته مع مرور الوقت. الناس اليوم لا يريدون الاختيار بين الجمال والعملية، بل يبحثون عن الاثنين معاً. بالنسبة لي، الحذاء الناجح هو الذي يلفت الانتباه بتفاصيله، ويمنح في الوقت نفسه شعوراً بالراحة والثقة، مع قدرة على التعبير عن شخصية من يرتديه.
الشغف يصبح طبيعياً عندما يحب الإنسان ما يفعله فعلاً. الموضة بالنسبة لي ليست مجرد مهنة، بل وسيلة للتعبير والثقافة والمشاعر، فرغم قوة المنافسة والضغط الكبير في هذه الصناعة، ما زلت أشعر بالحماس في كل مرة تولد فيها فكرة جديدة أو يبدأ تصميم جديد بالتشكّل. وما يحافظ أيضاً على هذا الشغف هو التطور المستمر للعلامة، ووجود تحديات وأفكار جديدة دائماً. كما أن ارتباط الناس بتصاميمنا على مستوى شخصي يمنحني دافعاً دائماً للاستمرار.
خلفيتي الثقافية تؤثر بشكل عميق على تصاميمي. نشأتي في سوريا وسط التاريخ والحرفية والتراث الفني شكّلت حسّي البصري منذ الصغر، بينما أضافت لي الحياة في فرنسا والأجواء الأوروبية مفهوماً مختلفاً للأناقة والرقي. أعتقد أن تصاميمي تعيش بين هذين العالمين: الغنى العاطفي والتراثي للشرق، والبنية الحديثة للأزياء الأوروبية.

أنصح المصممين الشباب بفهم أن بناء علامة تجارية يختلف عن مجرد تصميم منتجات جميلة. الإبداع أساس، لكن النجاح يحتاج أيضاً إلى الصبر والانضباط وفهم الجانب التجاري. الأهم هو بناء هوية قوية بدلاً من ملاحقة كل صيحة جديدة، لأن ما يبقى في ذاكرة الناس هو العلامات التي تمتلك رؤية حقيقية. كما أن النجاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على الموهبة، بل أيضاً على القدرة على الاستمرار والتطور من دون فقدان الرؤية الأساسية.

أصبحت الاستدامة مسؤولية حقيقية وليست مجرد توجّه. بالنسبة لي، أحد أهم أشكالها هو تصميم قطع تبقى مرغوبة لسنوات طويلة، بدلاً من الارتباط بموسم واحد فقط. كما نركّز على الجودة والحرفية والإنتاج المدروس، فأحذيتنا تُصنع يدوياً في إيطاليا مع اهتمام كبير بالمتانة والتفاصيل. أفضل دائماً إنتاج قطع أقل لكن بهوية أقوى وجودة أعلى.

في البداية كان النجاح بالنسبة لي يعني إثبات نفسي ورؤية الناس يكتشفون أعمالي. أما اليوم فأصبح المفهوم أعمق، ويتمثل في بناء علامة تدوم وتحمل علاقة عاطفية حقيقية مع الناس. وأعتقد أيضاً أن النجاح اليوم يعني امتلاك الحرية للاستمرار في الإبداع، والحلم بشكل أكبر، وبناء عالم يعكس شخصيتي كمصمم وإنسان.
من أكثر الكتب التي أثّرت فيّ Breaking the Habit of Being Yourself للدكتور Joe Dispenza. ما جذبني فيه هو حديثه عن طريقة عمل الدماغ وتأثير المشاعر على حياتنا، وكيف يمكن لطريقة التفكير أن تغيّر تعاملنا مع التحديات. هذا الكتاب جعلني أكثر وعياً بأهمية التوازن النفسي وفهم الذات، وأعتقد أن ذلك ينعكس على الإبداع والعمل والحياة بشكل عام.

لا أعتقد أن هناك دولة واحدة فقط تلهمني، لأن الإبداع يمكن أن يأتي من أي مكان: من السفر، والفن، والعمارة، والتاريخ، وحتى التفاصيل الصغيرة. لكن فرنسا وإيطاليا تبقيان مرجعين أساسين في عالمي الإبداعي. ففرنسا تمثل الأناقة والرقي الفني، بينما تعكس إيطاليا الحرفية الاستثنائية والسعي نحو أعلى مستويات الجودة. وهذان العالمان يشكلان جزءاً أساسياً من هوية العلامة والأسلوب الذي نعتمده، اليوم، في التصميم والإنتاج.

من أكثر العبارات التي أحبها: "الحياة مثل ركوب الدراجة، لكي تحافظ على توازنك يجب أن تستمر في الحركة". أحب هذه الفكرة لأنها تعبّر عن أهمية الاستمرار رغم التحديات، سواء في الحياة أو الإبداع أو النجاح. بالنسبة لي، التطور الدائم هو ما يحافظ على التوازن والنمو.
حلمي اليوم هو مواصلة تطوير العلامة وتوسيع حضورها، مع التوجه إلى مجالات جديدة تتجاوز الأحذية لتشمل المنتجات الجلدية وعوالم مرتبطة بالموضة وأسلوب الحياة. أطمح إلى بناء عالم متكامل يحمل الهوية نفسها والأناقة ذاتها، مع الاستمرار في تقديم أفكار جديدة تترك أثراً حقيقياً في عالم الموضة وتبقى مرغوبة لسنوات طويلة.