لم يعد سؤال النجومية في المغرب مجرّد نقاش فني أو ذوقي، بل أصبح سؤالًا بنيويًا يتقاطع فيه الفن بالإعلام الرقمي، والجمهور بالخوارزميات، والمسار الإبداعي بالأرقام. هذا التحوّل الجذري هو ما يضعه المخرج والمنتج والصحفي يوسف حسيك في صلب تحليله، انطلاقًا من تجربة مهنية تجمع بين الصحافة، السينما، والإنتاج، ومتابعة دقيقة لمنطق التواصل الرقمي بالمغرب.

يرى يوسف حسيك أن التحول الحقيقي في مفهوم النجومية لم يكن تدريجيًا بطيئًا، بل جاء مع لحظة رقمية فارقة. إذ يؤكد أن التحول الحقيقي في مفهوم النجومية بالمغرب بدأ مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد سنة 2015، وهي لحظة كسرت احتكار التلفزيون والسينما لصناعة النجوم، وفتحت المجال أمام مسارات جديدة أسرع وأكثر تأثيرًا.
بهذا المعنى، لم تعد النجومية مرتبطة فقط بدور ناجح أو فيلم جماهيري، بل أصبحت تُصنع أحيانًا خارج أي سياق فني تقليدي، وبإيقاع يفرض منطقه الخاص.
لا ينكر حسيك أن المنصات الرقمية أصبحت اليوم المسار الأسرع نحو النجومية، لكنه يضع هذا الواقع ضمن معادلة غير متوازنة. فهو يرى أن المسار الفني التقليدي ما يزال مهمًا من حيث العمق والاعتراف المهني، لكنه أبطأ ولا يضمن الانتشار الواسع.
هنا تظهر المفارقة: سرعة الوصول مقابل عمق التجربة، الانتشار مقابل التراكم. وهي مفارقة تعيد طرح سؤال القيمة: هل النجومية تقاس بمدى الظهور أم بمدى البقاء؟
لطالما اعتُبر الجمهور صاحب القرار النهائي في صناعة النجومية، غير أن هذا التصور بات، بحسب حسيك، بحاجة إلى مراجعة. فالجمهور اليوم لا يختار دائمًا ما يشاهده، بل يتفاعل مع ما يصل إليه. ويشير إلى أن الخوارزميات تحدد ما يصل إلى الجمهور، وهو يتفاعل مع ما يُعرض عليه أكثر مما يختاره بحرية كاملة.
بهذا المعنى، لم تُلغَ سلطة الجمهور، لكنها أصبحت مشروطة، محاطة بإطار خفي يوجّه الذائقة ويعيد ترتيب الأولويات.
في توصيفه لدور الخوارزميات، يتجنب يوسف حسيك الطرح التبسيطي. فهي، من وجهة نظره، لا تخلق نجمًا من العدم، لكنها تسرّع بروز من يملك قابلية للانتشار، وتمنحه دفعة قوية في وقت قصير.
غير أن هذا التسريع له ثمن، إذ تفضّل الخوارزميات "المحتوى السريع والمثير"، ما يؤدي إلى بروز أسماء بسرعة لافتة، مقابل تهميش فنانين يمتلكون تجربة أعمق لكنها لا تنسجم مع منطق الترند.
أحد أكثر التحولات إشكالية، كما يراها حسيك، يتمثل في دخول الأرقام بقوة إلى قرارات الإنتاج، إذ يعترف بأن عدد المتابعين أصبح في بعض الحالات معيارًا مؤثرًا في قرارات الإنتاج، أحيانًا على حساب الجودة الفنية.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيّر أدوات التقييم، بل يكشف عن قلق أعمق يتعلق بمستقبل الإبداع نفسه، حين يصبح الحضور الرقمي شرطًا مسبقًا للفرصة الفنية.
ضمن هذا السياق، تتسع الفجوة بين نجم محبوب جماهيريًا ونجم معترف به مؤسساتيًا. فبحسب حسيك، قد يحقق فنان شعبية كبيرة دون تقدير رسمي، فيما يحظى آخر بتقدير نقدي ومؤسساتي دون جماهيرية واسعة.
وهي فجوة تعكس تصدّعًا في منظومة الاعتراف نفسها، بين ما يكافئه الجمهور وما تحتفي به المؤسسات.
لا يقف تأثير المنصات عند حدود الانتشار، بل يمتد إلى صورة الفنان وخطابه. إذ يرى حسيك أن كثيرًا من الفنانين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تعديل خطابهم وصورتهم العامة بما يتماشى مع متطلبات الانتشار، أحيانًا "على حساب العمق الفني".
وفي هذا السياق، تصبح الموهبة الحقيقية عرضة للتهميش، لأن "منطق الترند لا يعترف بالمسارات الطويلة ولا بالعمل التراكمي".
في خلاصة موقفه، يقدّم يوسف حسيك رؤية متوازنة: الخوارزمية اليوم تملك سلطة الظهور، لكنها لا تملك سلطة الحكم النهائي. فهي "تؤدي دورًا مؤثرًا في تحديد من يظهر ومن يختفي"، غير أن الجمهور، حين يمتلك الوعي وحرية الاختيار، يظل الفيصل الحقيقي في تثبيت النجومية أو إسقاطها.
بين الجمهور والخوارزمية، تقف النجومية المغربية اليوم عند مفترق طرق: إما أن تتحول إلى ظاهرة عابرة، وإما أن تعيد بناء معناها على أساس التوازن بين الانتشار والقيمة، بين الرقم والتجربة، واللحظة والذاكرة.