برزت في السنوات الأخيرة حركة مسرحية نشطة، انطلقت من مصر لتجوب مجموعة من العواصم العربية، يقوم خلالها نجوم كبار بجولات عرض تمتد إلى أكثر من بلد، ضمن إنتاجات تحقق حضوراً جماهيرياً لافتاً، وقد حظيت العروض التي أقيمت في العاصمة السعودية الرياض، ضمن موسمها الترفيهي الممتد، بإقبال كبير من الجمهور على العروض المصرية والخليجية ومؤخراً السورية؛ ما يعكس اهتماماً متزايداً بالمسرح كمنصة فنية قادرة على استقطاب الجمهور في مختلف أنحاء الوطن العربي. هذا الحراك أعاد تسليط الضوء على العلاقة المتجددة بين النجوم العرب وخشبة المسرح، في وقت تتوسع فيه دائرة العروض وتتنوّع أنماط الإنتاج.

يبدو أن أكثر تجارب نجوم الدراما المنتظرة مسرحياً، هو مشاركة النجمة اللبنانية ماغي بو غصن، للمرة الأولى في عمل مسرحي، بعنوان: "منتزه الخيران"، والمقرر عرضها خلال موسم مسرحيات عيد الأضحى المبارك في دولة الكويت، لتكون بذلك أحدث وجوه الدراما التلفزيونية التي ستظهر مسرحياً، بعد تجار كثيرة لبعض النجوم، مثل: قصي خولي، وشكران مرتجى، وأحمد حلمي، وأحمد عز، ومحمد هنيدي، وهنا الزاهد، فهل يكرس هذا التحول، تجاهاً جديداً في المشهد الفني العربي؟
"فوشيا" توجه بالسؤال إلى الصحفي والناقد الفني السوري عامر فؤاد عامر هل نحن أمام موجة عابرة أو تحوّل بنيوي يعكس تغيّرات أعمق في الصناعة الفنية؟
يرى الصحفي والناقد الفني عامر فؤاد عامر، في تصريحات خاصة لموقع "فوشيا" أن هذا التحول الفني ليس صدفة، بل نتيجة تراكمات في بنية الإنتاج الفني العربي خلال السنوات الأخيرة، مؤكداً أن انتقال نجوم التلفزيون إلى المسرح يعكس في المقام الأول بحثاً عن مساحة تعبير مختلفة، بعيداً عن القوالب التلفزيونية التي أصبحت في كثير من الأحيان، محكومة بإيقاع سريع ومتطلبات سوقية وضغوط إعلانية تؤثر في طبيعة المحتوى.
وقال: المسرح يتيح للفنان مساحة أوسع للتجريب والعمق، ويعيده إلى جوهر الأداء الفني بعيداً عن تأثيرات المونتاج وإعادة التصوير. كما أن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحنين إلى الجذور الفنية، فالمسرح ظل تاريخياً يُنظر إليه بأنه "أبو الفنون"، والفضاء الذي يُختبر فيه صدق الممثل وقدرته الحقيقية على التفاعل الحي مع الجمهور، فهذا البعد الرمزي يمنح التجربة قيمة إضافية، خصوصاً لدى فنانين يشعرون بأن حضورهم التلفزيوني، رغم نجاحه الجماهيري، يحتاج إلى مساحة مختلفة تُبرز قدراتهم بصورة أعمق، فضلاً عن كون نجوم الدراما يسعون لإبقاء العلاقة المباشرة مع الجمهور.
كما يشير عامر إلى أن تطور الإنتاج المسرحي في بعض العواصم العربية أسهم في تعزيز هذا الاتجاه، سواء من حيث جودة التقنيات المستخدمة، أو مستوى الدعم الإنتاجي، أو حتى الأجور التي باتت أكثر تنافسية، هذه العوامل جعلت المسرح خياراً أكثر جاذبية لنجوم لم يكونوا سابقاً يرونه منصة مناسبة لمشاريعهم الفنية.
عن التحول في المسار من المسرح إلى التلفزيون، ثم العودة مجدداً إلى الخشبة، يوضح الناقد الفني عامر فؤاد عامر، أن ما يحدث اليوم يعكس رغبة بعض النجوم في إعادة تعريف صورتهم الفنية، فالنجم الذي ارتبط في أذهان الجمهور بدور معين عبر الشاشة قد يسعى إلى كسر هذا الإطار، واختبار نفسه في بيئة مختلفة تماماً، لذا يمنح المسرح الفنان سيطرة أكبر على أدائه، ويضعه أمام مسؤولية مباشرة في مواجهة الجمهور دون وسيط تقني.
ونوه عامر إلى أن بعض الفنانين يبحثون كذلك عن شرعية فنية أعمق، إذ لا يزال المسرح يُعتبر معياراً صعباً في تقييم الأداء، فنجاح الفنان على خشبة المسرح يتطلب امتلاك أدوات متكاملة، مثل: الصوت الواضح، والحضور الجسدي القوي، والقدرة على ضبط الإيقاع، والاانضباط التام خلال العرض الحي. لذلك، فإن التجربة المسرحية تُعد اختباراً حقيقياً لمستوى الاحتراف، وقد لا تكون مناسبة لكل من يحقق نجاحاً تلفزيونياً.