في زمنٍ تتحوّل فيه المنافسة الفنية إلى ما يشبه "حرب أرقام" مفتوحة، لم تعد النجومية تُقاس فقط بجودة العمل، بل أيضًا بحجم الضجيج المرافق له، من نسب مشاهدة، ترندات، تصريحات متلاحقة، إلى مقارنات لا تنتهي حول "الأعلى أجرًا" و"الأكثر نجاحًا"، كلها عناصر أصبحت جزءًا من مشهد يتكرر مع كل عمل درامي جديد.
وبين هذا الصخب، يبرز نمطان متناقضان بوضوح: فنانون يندفعون إلى الواجهة بخطاب يؤكد تفوقهم وأسبقيتهم، وآخرون يختارون الصمت، مكتفين بأن يتركوا أعمالهم تتحدث نيابةً عنهم.
في هذا السياق، يقدّم المختص في علم النفس عاصم المعايطة قراءة تحليلية خاصة لموقع "فوشيا"، يوضح فيها أن المبالغة في الترويج للذات قد ترتبط بما يُعرف في علم النفس بـ "تأثير داننغ–كروغر"، وهو مفهوم يشير إلى أن بعض الأفراد قد يبالغون في تقدير قدراتهم نتيجة ضعف إدراكهم الحقيقي لمستوى كفاءتهم.
وبناءً على ذلك، فإن الإعلان المتكرر عن "الأفضلية" لا يعكس دائمًا ثقة حقيقية، بل قد يكون نتيجة مباشرة لغياب الوعي بالقصور، في المقابل، كلما ارتفعت الكفاءة الفعلية لدى الفرد، زاد إدراكه لتعقيد المجال الذي يعمل فيه، ما يجعله أقل ميلًا لإطلاق أحكام مطلقة، وأكثر ميلاً لترك الإنجاز يعبّر عن نفسه.
عند التمييز بين الثقة الحقيقية والسلوك التعويضي، يشير المعايطة إلى أن الصورة ليست واحدة، ففي بعض الحالات يكون الأمر ناتجًا عن وهم معرفي صادق، حيث يعتقد الشخص فعلًا أنه متفوق، وفي حالات أخرى، يكون التفاخر تعويضًا عن شعور داخلي بعدم الأمان، وهو ما تناولته دراسات النرجسية بوصفها بنية نفسية تعتمد على الإعجاب الخارجي للحفاظ على توازنها الداخلي.
من هنا، يصبح التفاخر إما نتيجة "عدم القدرة على رؤية النقص"، أو محاولة لإخفائه.
أما الفرق بين الثقة بالنفس والغرور، فيتضح بشكل أكبر ضمن هذا الإطار؛ فالغُرور غالبًا ما يظهر في المراحل الأولى من منحنى داننغ–كروغر، حيث تكون الثقة مرتفعة بشكل لا يتناسب مع مستوى المعرفة، بينما تتسم الثقة الحقيقية بالهدوء والدقة، لأنها قائمة على خبرة أعمق ووعي بالحدود.
كما أن الشخص الواثق لا يحتاج إلى تكرار الإعلان عن نفسه، لأنه لا يبني قيمته على المقارنة، بينما يعتمد الغرور على خطاب متضخم يحاول تثبيت صورة غير مستقرة داخليًا.
وفي ما يتعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي، يلفت المعايطة إلى أنها تعمل كمسرّع قوي لهذا السلوك، إذ تكافئ المنصات الصوت الأعلى والنبرة الأكثر حدة، بغض النظر عن دقة المحتوى. هذا المناخ يمنح أصحاب الخطاب الواثق – حتى لو كان مضللًا – حضورًا أوسع، ما يعزز قناعاتهم ويكرّس ما يشبه "وهم الكفاءة"، خاصة مع تراكم التفاعل والإعجاب.
أما على مستوى صورة الفنان لدى الجمهور، فيسير كل نموذج في مسار مختلف، فالنمط الصاخب قد يحقق انتشارًا سريعًا بفضل يقينه الجاذب وسهولة استهلاكه، لكنه مع الوقت يصطدم بحدود الواقع، فتظهر التناقضات وتتآكل المصداقية. في المقابل، يبني النمط الهادئ صورة أبطأ، لكنها أكثر تماسكًا، قائمة على الاستمرارية والإنجاز، ما يعزز ثقة الجمهور على المدى الطويل.
وفي الخلاصة، يؤكد المعايطة أن النمط الهادئ الواثق هو الأكثر استدامة نفسيًا ومهنيًا، لأنه يستند إلى تقدير ذاتي متماسك لا يعتمد على تغذية خارجية مستمرة، ويتيح مساحة للتعلم والتطور، أما النمط المرتبط بالمبالغة، فيبقى رهينة خطاب مرتفع يحتاج إلى التصعيد الدائم للحفاظ على صورته، ما يجعله أكثر هشاشة أمام أي اختبار حقيقي.