لطالما شكّلت مشاهد العنف عنصرًا أساسيًا في العديد من أعمال الدراما التركية، خاصة تلك التي تنتمي إلى عوالم الجريمة والأكشن، إلا أن التوجهات الأخيرة في تركيا نحو تنظيم هذا النوع من المحتوى فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل السرد الدرامي، وحدود الموازنة بين الحرية الإبداعية والمسؤولية المجتمعية.
وبين الرؤية الفنية التي تبحث عن بدائل أكثر عمقًا، والقراءة النفسية التي تحذر من أثر العنف المتكرر على المتلقي، تبدو الدراما التركية اليوم أمام مرحلة جديدة قد تعيد صياغة الكثير من قواعدها، وفي تصريحات خاصة لموقع "فوشيا"، قدّم الناقد السوري محمد الأزن، وأخصائية علم النفس والنمو والاستشارية الأسرية الدكتورة خولة السعايدة، قراءتين متكاملتين لمناقشة أثر مشاهد العنف في الدراما التركية، بين أبعادها الفنية وانعكاساتها النفسية والتربوية.

في هذا السياق، يشير الناقد السوري محمد الأزن إلى أنه من المبكر الحديث عن التأثير الفعلي لقرار منع مشاهد العنف في الدراما التركية، بانتظار عرض المزيد من حلقات المسلسلات المعروضة حاليًا، خاصة تلك التي تتناول عوالم المافيا والعصابات أو الجريمة المنظمة، مثل: "حلم أشرف Eşref Rüya"، و"تحت الأرض Yeraltı".
وبين الناقد الأزن، أن هناك أعمالًا مثل: مسلسل "المدينة البعيدة Uzak Şehir"، وهو النسخة التركية من مسلسل "الهيبة"، ومسلسل "هذا البحر سيفيض Taşacak Bu Deniz"، هما من بين الأعلى شعبية ومشاهدة في تركيا، من الممكن تقليل مشاهد العنف فيها أو تقييدها دون أن يؤثر ذلك على شعبية العمل.
وأوضح الناقد السوري أنه فيما يتعلق بافتراض حدوث تحول أكبر في الدراما التركية من أعمال الأكشن إلى الدراما النفسية أو الاجتماعية تحت تأثير هذا القرار، فإنه يعتقد أن معظم الأعمال التركية قائمة على مزيج غني من الأكشن والدراما النفسية والاجتماعية، والأهم من ذلك قصة الحب المستحيلة، وبالتالي فإن تقييد مشاهد العنف قد لا يؤثر بشدة على شعبية هذه الأعمال، طالما أن قصص الحب المستحيل مستمرة، وأسباب استحالتها غالبًا ما تُبنى على عوامل نفسية واجتماعية.
ولفت أيضاً النظر إلى أن مسلسلات تركية ناجحة، مثل: مسلسل "شراب التوت Kızılcık Şerbeti"، و"بهار Bahar"، و"السلة المتسخة Kirli Sepeti"، كانت مشاهد العنف فيها قليلة، إن لم تكن نادرة.

يميل الناقد الأزن، إلى افتراض أن تقليل عرض مشاهد العنف أو تقييدها سيخلق أساليب سرد أكثر ذكاءً في الأعمال الدرامية التركية، مؤكدًا أن الأخطر من تقديم المشاهد العنيفة هو خلق حالة من التعاطف مع المجرمين أو زعماء العصابات، وتقديمهم كأبطال لهم مبادؤهم التي يؤمنون بها ويدافعون عنها؛ إذ غالبًا ما تدفع الدراما التركية المشاهد إلى التعاطف معهم، كما في شخصية "أشرف" بطل مسلسل "حلم أشرف Eşref Rüya".
وأكد أن لدى صنّاع الأعمال الدرامية، عمومًا، العديد من الأدوات للإيحاء بوجود العنف، قد تغني عن تقديمه بشكل فج، بل وقد يكون الإيحاء أكثر تأثيرًا، تمامًا كما في حالة مشاهد الحب.
كما ضرب مثالًا بمسلسل "هذا البحر سيفيض Taşacak Bu Deniz"، الذي يدور حول قصة حب، ويخلو من أي مشهد حميمي أو حتى قبلة، تبعًا لسياسات المحطة العارضة TRT، ورغم ذلك يُعد من بين الأعمال الأعلى شعبية في تركيا.

في قراءة نفسية وتربوية لهذه الظاهرة، أكدت اخصائية علم النفس الدكتورة خولة السعايدة، أن مشاهد العنف في الأعمال الدرامية التركية لا تُعد مجرد لقطات عابرة، بل تمثل خبرات مشاهدة متكررة تترك أثرًا واضحًا في تشكيل الإدراك والانفعال، لا سيما لدى الفئات العمرية الأصغر، وأوضحت أن الخطوات الأخيرة في تركيا تأتي في إطار السعي لتحقيق توازن بين حرية التعبير وحماية السلامة النفسية للمجتمع.
وأشارت الدكتورة السعايدة إلى أن عالم النفس Albert Bandura تناول هذه القضية بوضوح من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، والتي أثبتت، عبر تجربة "دمية لابوبو"، أن الأطفال يكتسبون السلوك العدواني من خلال الملاحظة والتقليد، حتى دون تلقي أي تعزيز مباشر؛ ما يعني أن مجرد مشاهدة العنف قد تكون كافية لترسيخ هذا السلوك، خصوصًا عندما يُعرض بصورة جذابة أو دون إظهار عواقبه.
بيّنت الدكتورة السعايدة أن تقليل المشاهد العنيفة الصريحة لا ينتقص من قوة العمل الدرامي، بل قد يدفع صُنّاعه إلى تقديم محتوى أكثر عمقًا، يعتمد على البناء النفسي للشخصيات واستكشاف دوافعها وصراعاتها الداخلية، بدلًا من الاتكال على الإثارة البصرية وحدها.
وقالت إن الواقعية لا تعني بالضرورة تقديم العنف بشكل مباشر وحرفي، مشيرة إلى أن التعرض المتكرر لهذا النوع من المشاهد قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ"التبلد الانفعالي"، حيث يفقد المشاهد تدريجيًا حساسيته تجاه العنف، في المقابل فإن التركيز على النتائج والعواقب يحقق واقعية نفسية أعمق وأكثر تأثيرًا.
كما لفتت إلى أن غياب المشاهد الصادمة لا يعني غياب التأثير، فهناك أدوات فنية متعددة قادرة على إيصال الفكرة، سواء من خلال الحوار أو البناء الدرامي أو أساليب حل الصراعات داخل العمل، مؤكدة أن طريقة تقديم العنف تظل أكثر أهمية من وجوده بحد ذاته.
وشددت على أن الفنان، وإن كان يتمتع بحرية إبداعية، إلا أنه لا ينفصل عن الأثر الذي يتركه عمله، موضحة أن تقديم العنف كنموذج ناجح أو جذاب قد يعزز تقليده، بينما يحدّ إبراز عواقبه من هذا التأثير.
وأكدت أن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل تتشاركها الأسرة أيضًا، من خلال المشاهدة الواعية، والحوار المستمر مع الأبناء، وتنمية قدرتهم على التفكير النقدي. واعتبرت أن تقليل العنف في الدراما قد يشكل فرصة حقيقية لتقديم أعمال أكثر عمقًا ونضجًا، توازن بين الإبداع الفني والمسؤولية الاجتماعية