التقدم التقني والتكنولوجي المستمر والمتسارع في حياتنا، جعل وسائل التواصل الاجتماعي منصة رقمية لا تنطفئ؛ فهناك المؤثرات البصرية والقصص والتفاعلات الواقعية.
وفي ضوء التبدل، تحول بعض المؤثرين من صناع محتوى إلى أصحاب تقييم لمعايير النجاح والسعادة، بالإضافة لاستعراضهم الحياة المثالية والرفاهية غير المحدودة.
وهو ما يخلق مقارنة مستمرة وغير واقعية لدى المتلقي، ويغذي شعورا بالنقص وعدم الكفاءة. ويضع المشاهد والمتابع في صناعة نوع جديد من القلق الاجتماعي والنفسي.

يعتمد نموذج عمل بعض المؤثرين على جذب الانتباه وإبقاء المتابعين في حالة ترقب دائم؛ ما يؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للمتلقي من خلال:
يتفوق المؤثرون في عرض نسخ مثالية ومنمّقة من الحياة والنجاح الجسدي والمادي. فالمنازل لا تعرض إلا مرتبة بإفراط، والرحلات لا تُصوّر إلا في أبهى صورها، والأجسام لا تظهر إلا خالية من أي عيوب.
وهذا التدفق المستمر للكمال يضع معايير غير قابلة للتحقيق في الحياة الواقعية؛ ما يدفع المتابعين إلى حالة من المقارنة السامة للمتلقي.
يتحول المؤثر من شخص يقدم معلومة إلى مسوّق يربط السعادة والرضا بامتلاك منتج أو تجربة معينة. ويصوَّر الفشل في امتلاك هذا المنتج وكأنه فجوة في حياة الفرد.
وفي ضوء ذلك يوضح تقرير صادر عن مركز نيوارك للصحة السلوكية (Newark Behavioral Health) كيف أن المؤثرين غالبا ما يروجون لمنتجات وخيارات معيشية باهظة الثمن؛ ما يخلق ضغطا على المتابعين للإنفاق ومواكبة نمط حياة مترف لا يمكن للشخص العادي تحمّله، وهو ما يفاقم القلق المالي والاجتماعي.
تتطلب طبيعة العلاقة بين المؤثر ومتابعيه تقييما مستمرا عبر الإعجابات والتعليقات.
وهذا التقييم يخترق حاجز الشاشة ليؤثر على المتابعين أنفسهم، فالأفراد أصبحوا يقيّمون حياتهم الخاصة بناء على ردود الفعل التي يتوقعونها من الجمهور الافتراضي؛ ما يحوّل الحياة اليومية إلى أداء مستمر.
والبحث الدائم عن التقييمات الخارجية والتفاعل يضعف الثقة بالذات ويجعل الأفراد أكثر عرضة للقلق المرتبط بالصورة الذاتية والإدراك الاجتماعي.
وبالمحصلة، لا يقتصر الأمر على المحتوى المعروض، بل إن البنية التقنية للمنصات نفسها مصممة لإدمان المستخدم وإبقائه في حالة تأهب وقلق خفي مثل خوارزميات التضخيم، الإشعارات كآلية توتر.
والحل يكمن في تنمية الوعي النقدي للتمييز بين الواقع والمُعدّل، وإعادة تقدير الحياة التي لا تتطلب مصادقة رقمية مستمرة، وأن يهتم صناع المحتوى بما يقدمون بعيدا عن الاستعراض.