لم تعد الإجازة السنوية، بالنسبة لكثير من الموظفين، مساحة خالصة للراحة كما يُفترض بها أن تكون. فبحسب نتائج استطلاع أجرته شركة روبرت والترز العالمية المتخصصة في حلول التوظيف، يعاني عدد كبير من المهنيين في الشرق الأوسط ظاهرة تُعرف بـ"قلق الإجازة السنوية".
وهي حالة نفسية ترافق الموظف قبل الإجازة وأثناءها وحتى بعد انتهائها، بغضّ النظر عن توقيتها خلال العام.

هذا القلق لا يقتصر على شعور عابر، بل يمتد ليؤثر سلبا على مستويات التفاعل في بيئات العمل، والتي تُعد أصلًا منخفضة تاريخيا في المنطقة، كما ينعكس على الإنتاجية والصحة النفسية للموظفين على المدى الطويل.
يُعد القلق المرتبط بالبريد الإلكتروني أحد أبرز مظاهر هذه الظاهرة. إذ أظهرت نتائج الاستطلاع أن 54% من المهنيين في الشرق الأوسط يتفقدون بريدهم الإلكتروني الخاص بالعمل أثناء الإجازة، بهدف تقليل التراكم الذي ينتظرهم عند العودة، بينما يفعل 41% ذلك لمواكبة الأمور العاجلة.
ورغم أن أدوات العمل الرقمية مثل Slack وMicrosoft Teams سهّلت التواصل وسرّعته، فإنها في المقابل عززت شعورا خفيا لدى الموظفين بضرورة البقاء على اتصال دائم، حتى في فترات الراحة الرسمية.
لا يتوقف الضغط عند حدود الإجازة نفسها، بل يمتد إلى ما بعدها؛ إذ أشار الاستطلاع إلى أن 22% فقط من العاملين في الشرق الأوسط يشعرون بالانتعاش والاستعداد للعمل بعد انتهاء إجازتهم.
ويعود ذلك إلى مخاوف متكررة ترافق لحظة العودة، مثل التأخر في إنجاز المشاريع، أو فوات تحديثات مهمة، أو مواجهة أعباء عمل مضاعفة. وهنا تفقد الإجازة أحد أهم أهدافها: إعادة الشحن الذهني والنفسي.
تكشف النتائج عن ظاهرة متنامية يمكن وصفها بـ"الخوف من التأخر" داخل بيئات العمل. فقد صرّح 63% من المهنيين بأنهم يستطيعون الاسترخاء بشكل أفضل خلال الإجازة عندما يكون زملاؤهم أيضًا في إجازة؛ ما يعكس شعورا غير معلن بالذنب أو القلق من الغياب الفردي.
بل إن بعض الموظفين، وفق الاستطلاع، يترددون أصلًا في حجز إجازاتهم خوفًا من التأثير على صورتهم المهنية أو تقييم التزامهم الوظيفي.
في عدد من الدول الأوروبية، تعتمد بعض الشركات فترات توقف جماعي خلال العام، تُغلق خلالها جزئيا أو كليا لتنسيق إجازات الموظفين وأعمال الصيانة. لكن هذا النموذج يظل محل جدل في الشرق الأوسط.
فقد أبدى 45% من المهنيين اهتمامهم بتجربة فترات إجازة محددة وثابتة داخل شركاتهم، بينما أعرب 40% عن مخاوفهم من أن يؤدي ذلك إلى تقليص المرونة. من جهة أخرى، رأى 34% من أصحاب العمل أن الإجازات الجماعية قد تكون مكلفة أو تعيق سير العمل.

لا توجد سياسة واحدة تصلح لجميع المؤسسات أو الموظفين. لكن ما يبدو واضحا هو أن الإجازة تفقد قيمتها حين لا يُسمح للموظف بالانفصال الحقيقي عن العمل.
تصميم سياسات إجازات مرنة، تراعي رفاهية الموظف دون الإضرار بالإنتاجية، لم يعد ترفا إداريا، بل ضرورة لضمان استدامة الأداء.
وفي النهاية، يبقى العامل الأهم هو بناء ثقافة عمل تحترم حق الانفصال، وتُدرك أن الموظف الذي يعود من إجازته مرتاحا هو أكثر حضورا، وأكثر إنتاجية، وأكثر التزاما على المدى البعيد.