رحل المطرب المصري هاني شاكر، اليوم، عن عمر 73 عامًا بعد أزمة صحية معقدة، تاركًا إرثًا فنيًا ثريا من الأغاني الكلاسيكية التي ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور العربي.
وعلى مدار أكثر من 50 عاما، هي مجمل مسيرته الفنية، لم تكن رحلة "أمير الغناء العربي" مجرد نجاحات متتالية على مستوى الأغنية، بل سلسلة من المحطات الإنسانية والفنية التي صنعت ملامح فنان حافظ على هويته الطربية.
من بداياته المبكرة التي لفتت الأنظار إلى موهبته، مرورًا بتعاونه مع كبار صناع الموسيقى، وصولًا إلى المواقف الإنسانية والأزمات الشخصية التي أثّرت في مسيرته، تشكلت حياة هاني شاكر بمفرداتها الثرية.
إليكم بعض المحطات التي برزت بشكل خاص خلال حياة الراحل.
توفي عبدالعزيز شاكر، والد المصرب المصري، في العام 1970 عندما كان يبلغ من العمر 18 عاماً، تحديدا عندما كان في الصف الثالث الثانوي (ثانوية عامة).
وتحدث هاني عن مرار فقده في أحد اللقاءات التلفزيونية وهو يبكي، ووصف ما حدث بـ"اليوم الصعب"، مضيفاً: لحد النهارده مش قادر أنسى الوجع، كانت وفاته كسرة كبيرة ليا نفسيا، والحمدلله إني قدرت أنجح في الثانوية وجبت مجموع 55%.
إحدى أهم المحطات في حياة هاني شاكر كانت لقاؤه بالموسيقار الكبير محمد الموجي في أوائل السبعينيات، إذ أرجع له الفضل في اكتشاف موهبته الغنائية، بعدما آمن به وقرر تبنيه.
وقد روى شاكر أن الموجي قرر قبل تقديمه للجمهور تدريبه وصقل موهبته، فكان يسمعه ألواناً غنائية متنوعة، ويعقد معه جلسات خاصة كانت أشبه بالدروس الخصوصية في فن الغناء. واستمر هذا التدريب لمدة 3 سنوات تقريبا، وأثمر عن أغنية "حلوة يا دنيا" العام 1972، والتي كانت سبباً في شهرة هاني شاكر آنذاك.
طوال مسيرته الثرية، قدّم هاني شاكر تجربة فنية متكاملة شملت المسرح والسينما والغناء، وكان العام 1974 محطة بارزة في تاريخه الفني، يوصف بأنه من أهم مراحل انطلاقه.
أهمية ذلك العام لا تقتصر على مشاركته في مسرحية "سندريلا والمداح" وفيلم "عايشين للحب"، لكن أيضا لإطلاقه أول ألبوم غنائي له بعنوان "كدة برضو يا قمر"، والذي ضم 5 أغنيات تصدرتها أغنية "حلوة يا دنيا" التي عرفت الجمهور على الشاب الموهوب.
لم يكن نجاح هاني شاكر وليد صوته العذب فقط، بل لعبت الشراكات الفنية الذكية التي عقدها مع نخبة من كبار الملحنين والشعراء دوراً أساسياً في صياغة ملامح مشروعه الغنائي وتشكيل هويته الرومانسية الكلاسيكية.
ومن أبرز هذه القامات الموسيقار محمد الموجي، الذي يأتي اسمه في المقدمة بفضل اكتشافه موهبته وتبنيه فنياً، ثم كمال الطويل، وبليغ حمدي، ومحمد عبدالوهاب، ورياض الهمشري، وصلاح الشرنوبي، وحلمي بكر، ومحمد سلطان، ومنير مراد، وحسن أبو السعود، وخالد الأمير.
أما على مستوى الشعراء وكتّاب الأغاني، فيتصدر القائمة عبد الرحمن الأبنودي، ومرسي جميل عزيز، وأحمد شفيق كامل، وهاني عبد الكريم، ومجدي النجار، وأيمن بهجت قمر، لتكون النتيجة تقديم أعمال تحمل معاني عاطفية عميقة، بعيدة عن الابتذال، وتُرسّخ اسمه كواحد من أبرز الأصوات المحافظة على الساحة العربية.
اعتبر شاكر لقاء الفنان الكبير عبدالحليم حافظ واحدا من أبرز المحطات في مسيرته الفنية، إذ نجح خلالها في إنهاء الشائعات التي كان الإعلام يروج لها بقوة آنذاك، وتتمحور حول تقليده لـ"العندليب"، فضلا عن محاربة حليم له.
أيضا ساعد ذلك اللقاء هاني على التقرب من "العندليب" ونيل ثقته، إذ صرح شاكر أن عبدالحليم قال له في ذلك اللقاء "يا هاني أنا طالع أسمعك، فالمستقبل لك فأنا مريض ومستقبل الغناء معك"، وهي كلمات منحتّه دفعة معنوية كبيرة في بداية مشواره الفني كمطرب شاب.
بعد رحيل ابنته دنيا في العام 2011 إثر معاناة مع السرطان، تغيّر حضور هاني شاكر الفني والإنساني، إذ ظهرت في أعماله مسحة حزن وعمق أكبر، مما جعل الجمهور يتعاطف معه بشكل غير مسبوق.
أيضا جاءت إطلالات المطرب المصري في كل اللقاءات التلفزيونية مغلفة بالهدوء والحزن، وطغى على حديثه عن ابنته الراحلة بكاء متكرر ونبرة حزن واضحة.
تعد محطة ترأس هاني شاكر نقابة المهن الموسيقية في مصر واحدة من أكثر المراحل جدلًا وتأثيرًا في مسيرته، إذ سعى إلى فرض رؤيته الخاصة لما يجب أن يكون عليه شكل الأغنية المصرية، مدافعا عن الهوية الفنية في مواجهة ما وصفه بـ"انحدار الذوق العام".
لكن المهمة لم تكن سهلة، إذ دخل في صدامات مع بعض أنماط الغناء التي تعتمد على كلمات وأسلوب بعيد عن الطرب، خصوصاً مغني المهرجانات، ما وضعه في مرمى نيران أتباع هذا النمط الغنائي ومحبيه أيضا.
وزادت حدة الانتقادات الموجهة إليه مع القرارات التي اتخذها لإعادة تنظيم العمل داخل النقابة، سواء من خلال تقنين التصاريح أو وضع ضوابط للأداء، ما أدى إلى تصاعد الهجوم عليه وتعرضه لإساءات متكررة، الأمر الذي انتهى بتقديمه الاستقالة.
حصد "أمير الغناء العربي" الكثير من شهادات التقدير والجوائز والتكريمات خلال مشواره الفني الثري، من أبرزها: