عالم الأجبان يحمل تنوعًا غنيًا في النكهات وطرق التخمير، وتظهر معه تساؤلات كثيرة حول فوائد الجبن المتعفن والفرق بين العفن الآمن والعفن الضار. بين الأجبان المعتقة والمنتجات المخمرة، تهتم كثير من النساء بمعرفة متى يكون الجبن صالحًا وآمنًا، وكيف يمكن الاستفادة من قيمته الغذائية دون التعرض للمخاطر الصحية.
الجبن المتعفّن هو نوع من الجبن يتم إنتاجه باستخدام أنواع محددة من العفن تُضاف بشكل مقصود أثناء التصنيع، مثل جبن الروكفور والجبن الأزرق. هذا العفن من نوع Penicillium roqueforti أو Penicillium camemberti، ويتم نموه داخل بيئة مضبوطة وآمنة غذائيًا. وتوضح pubmed أن هذا النوع من العفن يختلف تمامًا عن العفن الذي يظهر على الطعام الفاسد في المنزل.
تشير مراجعات علمية في مجلات الألبان إلى أن الجبن المتعفّن يحتوي على عناصر غذائية ناتجة عن عملية التخمر، مثل البروتين والكالسيوم، إلى جانب مركبات حيوية تتكوّن أثناء النضج. وتوضح مصادر طبية مثل WebMD أن هذا النوع من الجبن قد يقدم مجموعة من الفوائد الصحية عند تناوله باعتدال، ومنها:
تشير بعض الدراسات إلى ما يُعرف بـ "المفارقة الفرنسية"، حيث تسجل فرنسا نسبًا أقل من أمراض القلب رغم استهلاك الدهون المشبعة. تحتوي الأجبان الزرقاء على مركبات تساعد في تقليل الالتهابات ودعم صحة الأوعية الدموية، لذلك ترتبط فوائد الجبنة الريكفورد بدعم صحة القلب عند تناولها باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن.
يحتوي الجبن المتعفّن على بكتيريا وفطريات ناتجة عن عملية التخمر، والتي تساهم في تحسين عملية الهضم، وتوازن البكتيريا في الأمعاء، وتقوية جهاز المناعة.
كما يرتبط الحديث عن فوائد الجبنة الريكفورد للقولون بدورها المحتمل في دعم صحة الجهاز الهضمي وتحسين توازن البكتيريا داخل الأمعاء. كذلك يُشار إلى فوائد الجبنة الريكفورد لجرثومة المعدة من ناحية تأثيرها المحتمل في دعم البيئة البكتيرية النافعة داخل الجهاز الهضمي وتحسين صحة المعدة بشكل عام.
يعد الجبن المتعفّن مصدرًا غنيًا بالكالسيوم، ويساعد على تقوية العظام، وزيادة كثافتها، ودعم صحة الأسنان.
توضح بعض الأبحاث المنشورة في Scientific Reports أن مركبات مثل السبرميدين (Spermidine) الموجودة في الأجبان المعتقة تساهم في تجديد الخلايا، وتأخير علامات الشيخوخة، ودعم صحة الخلايا لفترة أطول.
تنتج عن عملية التخمير في الجبن المتعفّن مركبات حيوية قد تساعد في تقليل الالتهابات داخل الجسم. هذا التأثير قد ينعكس على عدة جوانب صحية، مثل تخفيف آلام المفاصل وتقليل خطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة.
بناءً على الدراسات الصادرة عن جامعة Harvard، إليكِ تصنيف الأجبان الأكثر فائدة للجسم وفقاً للمعايير العلمية الدولية:
التفريق بين الجبن الذي يحتوي على "عفن مقصود" (صالح للأكل) والجبن الذي تعرّض لـ "تلف عفوي" (فاسد) هو مهارة حيوية لسلامتك الغذائية. بناءً على توصيات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) ، إليك الفروقات الجوهرية:
الجبن الآمن: يكون العفن فيه جزءاً من التصنيع، مثل العفن الأزرق أو الأخضر داخل "البلو تشيز"، أو الطبقة البيضاء الخارجية في جبن "الكاميمبير". هذا العفن يكون محصوراً في مناطق محددة أو يغلف الجبن بشكل متناسق.
الجبن الفاسد: يظهر العفن بشكل عشوائي ويكون غالباً أبيض زغبي، أخضر باهت، أو أسود. إذا رأيتِ بقعاً وردية أو حمراء، فهذا مؤشر على وجود بكتيريا ضارة جداً ويجب التخلص من الجبن فوراً.
الجبن الآمن: يحافظ على قوامه الأصلي؛ فالجبن الصلب يظل صلباً، والجبن الكريمي يظل ناعماً.
الجبن الفاسد: تظهر عليه علامات "اللزوجة" (Sliminess) أو يصبح القوام طرياً بشكل غير طبيعي في مناطق العفن، مما يشير إلى تحلل الأنسجة بفعل البكتيريا.
الجبن الآمن: يمتلك رائحة قوية ونفاذة (مثل رائحة الجوارب أو الخميرة) لكنها رائحة "نظيفة" ومألوفة لمحبي هذا النوع.
الجبن الفاسد: تنبعث منه رائحة تشبه الأمونيا (النشادر)، أو رائحة تعفن "كريهة" ومنفرة جداً. أما الطعم، فإذا شعرتِ بـ "وخز" أو مرارة غير معتادة على لسانك، فالجبن قد فسد.
تناول الجبن الذي تعفن نتيجة التلف (وليس كجزء من عملية التصنيع) يحمل مخاطر صحية جسيمة، تتجاوز مجرد الشعور بالمغص، إليكِ المخاطر الحقيقية الكامنة خلف تلك البقع الملونة:
عندما ينمو العفن العفوي، فإنه يهيئ بيئة خصبة لنمو بكتيريا خطيرة جنباً إلى جنب معه، وأبرزها:
الليستيريا (Listeria): خطيرة جداً خاصة على النساء الحوامل، حيث قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة على الجنين.
السالمونيلا والإشريكية القولونية (E. coli): تسبب تسمماً غذائياً حاداً يؤدي إلى إسهال مدمى، تقيؤ، وجفاف شديد.
في حالات التسمم بالسموم الفطرية القوية، قد يعاني الجسم من عبء كبير لتصريف هذه السموم، مما قد يؤدي في حالات نادرة وشديدة إلى قصور مفاجئ في وظائف الكلى أو الكبد.
ارتفاع مادة التيرامين: الأجبان المعتقة تحتوي على مستويات مرتفعة من التيرامين، وقد يؤدي ذلك إلى تحفيز نوبات الصداع النصفي لدى بعض الأشخاص، خاصة من يعانون من حساسية تجاه هذه المادة.
زيادة الهيستامين: التخمير الطويل يرفع نسبة الهيستامين داخل الجبن، وهذا قد يسبب أعراضًا مثل الحكة، الطفح الجلدي، احتقان الأنف، أو اضطرابات هضمية لدى الأشخاص الحساسين.
ارتفاع نسبة الصوديوم: الجبن القديم المحفوظ لفترات طويلة يحتوي غالبًا على كميات كبيرة من الملح، وهذا قد يرفع ضغط الدم ويزيد العبء على القلب والكلى مع الإفراط في تناوله.
خطر البكتيريا الضارة: التخزين غير السليم أو التصنيع غير الآمن قد يسمح بنمو بكتيريا خطيرة مثل الليستيريا، خاصة في الأجبان غير المبسترة أو المصنعة بطرق تقليدية.
خطورة أكبر على الحوامل: تنصح المصادر الطبية الأجنبية النساء الحوامل بتجنب بعض أنواع الأجبان المعتقة وغير المبسترة بسبب احتمال انتقال البكتيريا الضارة وتأثيرها على الحمل.
تفاعل مع بعض الأدوية: الأجبان القديمة الغنية بالتيرامين قد تتفاعل مع بعض أدوية الاكتئاب من نوع مثبطات مونوامين أكسيداز (MAOIs)، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع خطير في ضغط الدم.
التعامل مع العفن على الجبن يختلف حسب نوعه.
في الأجبان الطرية، مثل الفيتا أو الجبن الكريمي، لا يُنصح أبدًا بكشط العفن فقط، لأن العفن يمتلك خيوطًا مجهرية قد تمتد داخل كامل قطعة الجبن، حتى إذا ظهر التلف على السطح فقط. لذلك يصبح تناولها غير آمن ويُفضل التخلص منها بالكامل.
أما الأجبان الصلبة، مثل الشيدر القديم، فيمكن إزالة الجزء المتعفن مع كشط نحو 2.5 سم حول المنطقة المصابة، لأن انخفاض الرطوبة يحد من انتشار العفن داخل الجبن. مع ذلك، يجب استخدام سكين نظيفة وعدم ملامسة العفن للأجزاء السليمة لتجنب انتقال التلوث.
لا شك أن الأجبان بأنواعها تُعد مصدرًا غنيًا بالعناصر الغذائية والفوائد الصحية عند اختيارها وتناولها بشكل متوازن. فهم الفروق بين الأنواع الطبيعية والمعتقة يساعد على الاستفادة من قيمتها الغذائية، مع الحفاظ على سلامة الجسم وتجنب أي مخاطر صحية محتملة.